كتاب آثار وتاريخ فلسطين 2026-My article on Oral History: 609-616

 كتاب آثار وتاريخ فلسطين 2026.pdf 

(الفصل الرابع والثلاثون: التاريخ الشفوي والذاكرة الحية ) ً

قرية لوبيه المهجره مثالا Mahmoud Issa

pp 609-616 (780 pages).

كتاب آثار وتاريخ فلسطين

التاريخ الشفوي والذاكرة الحية
)قرية لوبية املهجرة مثاًال(

محمود عيسى

587
هنـاك نقـاش ووجهـات نظـر مختلفـة حول مصداقيـة التقاليد الشـفهية
والتاريــخ الشــفهي كأســلوب علمــي قائــم بذاتــه. يبــرز هــذا الفصــل
أهميــة وصالحيــة وغنــى هــذه املعرفــة املتأتيــة مــن خــالل املقابــالت
النوعيــة التــي أجريــÿ مــع عــدد مــن أبنــاء قريــة لوبيــة املنتشــرين
ً فــي املهجــر فــي أربعــة عشــر بلــدا فــي العالــم. املقابــالت أظهــرت
بوضــوح الغنــى الثقافــي وذاكــرة املــكان )mémoire de lieux les)
للوبيـة، ولحيويـة الذاكـرة للقريـة وتاريخهـا حتـى بعـد مـرور سـبعة
عقـود علـى النكبـة منـذ .1948 اسـتندت مقاربـة كاتـب هـذا املوضـوع
إلـى كل مـن التقاليـد العلميـة »الشـرقية« و«الغربيـة«، سـتاينر كفيـل
وكتابــه )Interviews Research Qualitative)، واملقابــالت النوعيــة
فـي األبحـاĀ، والعمـل التـذكاري للباحـث »بوريـس هولبوتـش»، وبيـر
نــورا وفهمــه »للتاريــخ« و«املــكان« كــ »ذاكــرة األمكنــة«، وكل هــذه
املناهــج األوروبيــة »الحديثــة« وجذورهــا فــي العصــور الغابــرة فــي
بـالد مـا بـني ً النهريـن واليونـان والحقـا فـي الشـعر الشـفهي مـا قبـل
الفتـرة اإلسـالمية واملعـروف بــ »املعلقـات« ِ وإدخـال العالـم اإلسـالمي
اإلمــام البخــاري معاييــره الواضحــة لتبيــان إمكانيــة وصدقيــة نقــل
ً الحديـث الشـريف للرسـول وتجميعـه فيمـا عـرف الحقـا »بالحديـث«.
إن التقاليــد الشــفهية والتاريــخ الشــفهي كانــÿ ومــا زالــÿ إحــدى
ســاحات املعــارك املهمــة للمهمشــني والفقــراء واملضطهديــن
َ واملســتعمرين. إن التاريــخ مصنــوع مــن هــؤالء، لــذا فأصواتهــم
الجمعيــة والفرديــة يجــب أن تســمع وتســجل لألجيــال املقبلــة.
أحــد األهــداف الرئيســية الختيــار هــذا املوضــوع للتاريــخ الشــفهي
هـو الحديـث الجـاري حـول مصداقيـة ومشـروعية اسـتخدام املقابالت
مـن أجـل توثيـق التاريـخ الشـخصي لألشـخاص مـن حيـث عالقتهـم
بأحـداĀ ماضيـة أو حاضـرة، حيـث إن بعـض املؤرخـني الكالسـيكيني
يرفضــون أي مقاربــة للتاريــخ عبــر املصــادر الشــفهية، معتمديــن
علــى نظرتهــم للمقابــالت الشــفهية علــى أنهــا غيــر دقيقــة باملقارنــة
مــع املقاربــات التقليديــة للتأريــخ، التــي تتضمــن االلتــزام الدقيــق
ً باملعاييــر املنهجيــة املتفــق عليهــا نظري ً ــا، وخصوصــا تلــك املتعلقــة
باملــواد األرشــيفية والوثائــق املجمعــة مــن قبــل الســلطات الحاكمــة
واملؤسســات عبــر قــرون.
يعـود اهتمامـي بالتاريـخ الشـفهي إلـى أكثـر مـن عقديـن، عندمـا بدأت
التحــري والبحــث عــن تاريــخ القريــة الفلســطينية لوبيــة )1(، وهــي
قريـة مـن أصـل 675 )2( ً قريـة دمـرت كليـا أو جزئيـا بعـد نكبـة عـام
1948 كمـا وثـق ذلـك سـلمان أبـو سـتة والباحثـون فـي زوخـروت )3(.
ومـا أثـار اسـتغرابي عنـد بـدء البحـث أننـي لـم أجـد سـوى مقالتـني

عـن تلـك الفتـرة ليوسـف يوسـف )4(، فـي مجلـة الحريـة األسـبوعية
اللبنانيـة، حيـث تـم اسـتعراض تاريـخ قريـة لوبيـة مـع بعـض األوراق
املتناثـرة وكتيـب صغيـر غيـر متـداول إلبراهيـم الشـهابي )الشـهابي
1998-1994(، إضافــة لذلــك توجــد صفحــة ونصــف الصفحــة عــن
لوبيــة فــي كتــاب رشــيد الخالــدي »هــذا مــا تبقــى لكــم« )that All
Remains )ص .627-526
البحث واملقابالت النوعية
هنــاك طــرق منهجيــة يجــب اتباعهــا منــذ بدايــة البحــث. إن الــذي
يجــري املقابلــة ليــس كحفــار »املنجــم» الــذي يســتخرج مــن األرض
ً مــواد قيمــة ملراكمتهــا كميــا، لكنــه أشــبه بمــن »يبحــث عــن جوهــر
املعانــي األساســية« وبــدون تدخــل الــذات، ويراكــم »املعلومــات
الكميــة« و«الحقائــق املوضوعيــة« ً . هــذه املقاربــة تختلــف تمامــا
وعلــى نقيــض مفهــوم »املســافر« الــذي يصــف مــن يقــوم باملقابلــة
باكتشـافه »املناطـق املتعـددة ألرض غيـر معروفـة مـن قبـل«. هنـا نجـد
أن املسـافر يبحـث عـن إجابـة عـن أسـئلته، باتباعـه املنهـج اليونانـي
القديـم »الطريـق الـذي يصـل إلـى هـدف محـدد« مـن خـالل الحـوار
مــع األشــخاص املعنيــني باملقابلــة »يصــول ويجــول مــع مقابليــه«،

الشكل(٧.٣٣٤): لوبيا صورة جوية قبل النكبة
بالتوافــق مــع املعنــى الالتينــي األصلــي للحــوار. إن التشــبيه األول
لحفـار »املنجـم« يدفـع باملقابلـة إلـى حـدود الهندسـة اإلنسـانية لتثبـÿ
ُ معنــى العلــوم االجتماعيــة للمعرفــة كمعطــى، بينمــا التشــبيه اآلخــر
»املسـافر« يرفـع باملقابلـة إلـى حـدود الفنـون، وبالتالـي تثبـÿ مبـدأ

588

التاريخ الشفوي والذاكرة الحية
املعرفـة البنـاءة مـا بعـد الحداثيـة، التـي »تتضمـن« مقاربـة حواريـة
للبحـث االجتماعـي كمـا يحـاول صكفيـل تبيانـه فـي أبحاثـه )Kvale
.)3-1994:2
اختـرت فـي أبحاثـي املنهجيـة التـي تتناسـب مـع تشـبيه »املسـافر»
ٍ بـكل مـا تتضمنـه مـن معـان وغنـى وأنسـاق مختلفـة، التـي بدورهـا
تولــد معرفــة جديــدة وتحــرض علــى انعكاســات جديــدة للقضايــا
االجتماعيــة. اعتمــدت هــذه املقاربــة بشــكل رئيســي إلعــادة بنــاء
الحيــاة االجتماعيــة والثقافيــة للقريــة املدمــرة لوبيــة.
أول لقاء مادي مباشر
بعــد زيارتــي األولــى ملــا تبقــى مــن آثــار بيــوت وبســاتني مدمــرة
لقريتنـا مـع والـدي سـنة ،1994 وبعدمـا سـمعÿ قصـص القريـة منـه
مباشـرة بعـد حوالـي نصـف قـرن مـن االقتـالع والنفـي، أدركـÿ أننـي
أمــام مهمــة تبــدو شــاقة إن أردت إعــادة إحيــاء تأريــخ هــذه القريــة،
رغـم أنهـا أي -لوبيـة– هـي أكبـر قـرى محافظـة طبريـا والقريـة الثانيـة
مــن حيــث عــدد الســكان واألراضــي فــي الجليــل بعــد صفوريــة. إن
ُِل ً ـح دائمـا »مـن أيـن أنـÿ؟« أقنعنـي بالبـدء بهـذه الرحلـة
السـؤال امل
الطويلـة علـى املسـتويني العملـي والنظـري لالكتشـاف وإماطـة اللثـام
عـن الكثيـر مـن سوسـيولوجيا القريـة عبـر اسـتعمالي املكثـف ملنهجية
التأريــخ الشــفهي والســبل النوعيــة للمقابــالت التــي أنجزتهــا. هــذه
ً املنهجيــة مختلفــة تمامــا عــن املقابــالت الفلســفية أو الصحفيــة أو
العالجيــة )8(، ألنهــا ببســاطة تختلــف مــن حيــث األهــداف وصياغــة
وطـرح األسـئلة وطريقـة الحـوار أثنـاء املقابلـة مـن أجـل الوصـول إلـى
معرفـة مختلفـة.
صــدر بحثــي الســابق عــن القريــة فــي كتــاب باللغــة الدنماركيــة
ُنتـج فيلمـان وثائقيـان عـن لوبيـة

و)ترجـم إلـى ثمانـي لغـات اآلن(، وأ
وثالثــة أبحــاĀ عامليــة عــن القريــة اســتندت إلــى مــا أنجزتــه فــي
مراجعهــا، وعشــرات املقــاالت واملحاضــرات فــي بلــدان وجامعــات
أوروبيـة وعامليـة متعـددة، وسـاعدت هـذه األبحـاĀ الكثيـر مـن أبنـاء
قريـة لوبيـة فـي إعـادة تعريـف هويتهـم الوطنيـة التـي أدت إلـى ظهـور
العديــد مــن املواقــع اإللكترونيــة واألفــالم الوثائقيــة املتعــددة كمــا
ً ســيذكر الحقــا فــي الســياق.
رغــم وجــود بعــض التحفظــات علــى هــذه املنهجيــة، فقــد أثبتــÿ
فعاليتهـا، والقصـص التـي جمعتهـا عبـر املقابـالت مـع اللوابنـة فـي
ً أحـد عشـر بلـد ً ا أوروبي ً ـا وعربيـا كانـÿ أهـم املصـادر لتوثيـق حيـاة
األشــخاص الذيــن قابلتهــم، وذلــك بتســجيل وإعــالء هــذه الحيــوات
الصغيـرة التـي بدورهـا تقـود نحـو فهـم أعمـق لتوثيـق وتأريـخ تاريـخ
ً فلســطني، بمــا فــي ذلــك تاريــخ االنتــداب البريطانــي أيضــا. إنهــا
إضافـة نوعيـة للـكل اإلنسـاني لحيـوات النـاس الذيـن تتـم مقابلتهـم،
والتـي تعكـس ليـس حيواتهـم بالعـودة ثالثـة أو أربعـة أجيـال سـابقة
للنكبــة 1948 فقــط، ولكــن للنكبــة املســتمرة حتــى اليــوم .

إن التحــدي الرئيســي لنــا، باحثــني وأكاديميــني، هــو كيفيــة توثيــق
هـذه القصـص الحيـة، وكيفيـة طـرح األسـئلة وترتيبهـا، وأيـة تقنيـة
هــي األفضــل لالســتعمال، وكيفيــة غربلــة املعلومــات، ومقارنتهــا
ً وتحليلهــا، وأخيــرا كتابــة التقريــر النهائــي. هــذه هــي باختصــار
الخطــوات الواجــب اتباعهــا فــي منهجيــة املقابــالت النوعيــة فــي
البحــث فــي حقــل العمــل.
مقاومة النسيان
يكتــب يــان فانســينا Vansina Jan املعــروف بأبحاثــه عــن التاريــخ
الشــفهي فــي أفريقيــا )2004-1985(: التاريــخ الرســمي هــو خــاص
للنخبـة، امللـوك، الحـكام، األباطـرة، املتعلمـني، بينمـا التاريـخ الشـفهي
هـو تاريـخ مباشـر مبنـي علـى التذكـر، األقاويـل واملشـاهدات الحيـة
.)1984:8(
ُ فـي املاضـي، كان التاريـخ م ً لـكا للمنتصريـن. وألن التاريـخ والثقافـة
ً همـا ملـك كل إنسـان، فلـم يعـد حصـر ً ا مقتصـرا علـى حيـاة امللـوك
والحــكام واألباطــرة والطبقــة العليــا واألغنيــاء واألقليــة، بــل أصبــح
يشـمل املهمشـني مـن الفقـراء واألميـني َ واملسـتعم ً رين، أيضـا، كذلـك
ً النـوع االجتماعـي واملـرأة التـي تشـكل تقريبـا نصـف املجتمـع، حيـث
إن تاريخهـن ملغـى بشـكل عـام. نظـرة سـريعة علـى مئـات املقابـالت
لفيحـاء عبـد الهـادي مـع الفلسـطينيات فـي الثالثينيـات واألربعينيـات
مـن القـرن املاضـي تثبـÿ الخسـارة الفادحـة فـي األرشـيف الرسـمي
ً لهــذه املواضيــع التــي نــادر ً ا مــا يتــم التطــرق إليهــا جذريــا )10(،
الشـعوب املسـتعمرة بشـكل عـام، والفلسـطينيون بشـكل خـاص، تـم
إنــكار حقهــم فــي تقريــر مصيرهــم لعقــود وقــرون طويلــة، كمــا تــم
إنــكار حقهــم فــي روايــة تاريــخ حيواتهــم وتجاربهــم نتيجــة العنــف
ً املمـارس ضدهـم فـي أفريقيـا وأميـركا الالتينيـة وآسـيا أيضـا. آالف
األســماء ألماكــن متعــددة تــم اســتبدال أســماء اختارهــا املســتعمر
بهـا. إن اسـم قريـة »لوبيـة« تـم اسـتبدال »الفـي« بـه، بعـد أن تـم بنـاء
ً مسـتعمرة علـى أنقـاض القريـة. كمـا تـم الحقـا بنـاء مسـتعمرة أخـرى
ّســموها »جفعــات أفنــي« )Avni Givat )فــي القســم الشــرقي للوبيــة
ســنة .1993-1992
أنشـأ الصنـدوق القومـي اليهـودي )JNF)، وبمسـاعدة مـن منظمـات
صهيونيــة نســائية فــي جنــوب أفريقيــا، غابــة مــن شــجر الصنوبــر
ّ إلخفــاء اآلثــار املدمــرة للقريــة كاملــة وســموها »غابــة جمهوريــة
جنــوب أفريقيــا«. كتــب ميــرون بنفنســيتي )Benvenisti Meron)
عــن هــذا املوضــوع بالتفصيــل فــي كتابــه األرض املقدســة Sacred
)Landscape( 2002- Benvenisti
بتاريــخ 18 تمــوز ،1949 قامــÿ مجموعــة مــن تســعة علمــاء
متخصصــني فــي علــم الخرائــط واإليكولوجيــا والتاريــخ باالجتمــاع
فــي مكتــب رئيــس الــوزراء اإلســرائيلي بــن غوريــون فــي تــل أبيــب.
وكانــÿ مهمتهــم وضــع تســمية بالعبريــة لــكل األماكــن: الجبــال،
األوديـة، الينابيـع، الشـوارع وهكـذا. اثنـان مـن هـؤالء كانـوا معينـني

589

التاريخ الشفوي والذاكرة الحية

مـن قبـل الحكومـة البريطانيـة املنتدبـة منـذ سـنة 1920 ملهمـة عبرنـة
األماكـن العربيـة كافـة وإعـادة األسـماء القديمـة للتـوراة لتحـل محـل
األسـماء العربيـة )12-2002:11 Benvenisti). فـي هـذا السـياق، تـم
شـطب اسـم لوبيـة واسـتبدل بهـا االسـم الفـي Lavi التوراتـي، وهـذا
مــا تــم مــع مئــات األســماء األخــرى.
الذاكرة الجماعية واألرض كأمكنة للذاكرة
نظريات ومقاربات عملية لتقاليد املشافهة
قامــÿ مجموعــة مــن يهــود جنــوب أفريقيــا مــع بعــض الفلســطينيني
مــن لوبيــة فــي إســكندنافيا ومجموعــات مــن منظمــة زوخــروت فــي
األول مـن أيـار 2015 بزيـارة القريـة لالحتجـاج علـى تسـمية الغابـة
املزروعـة علـى أنقـاض لوبيـة بــ »غابـة جنـوب أفريقيـا« )11(. غابـة
ً صنوبــر زرعــÿ قصــدا للتغطيــة علــى آثــار الجرائــم املرتكبــة ضــد
قريــة لوبيــة وأهلهــا ولدفــن اآلثــار املاديــة ومــا تبقــى مــن القريــة
كشــاهد علــى املاضــي.
فــي ،2014 اجتمــع حوالــي 40 ألــف شــخص تجمعــوا مــن مختلــف
املناطــق فــي فلســطني علــى أرض لوبيــة لالحتجــاج علــى اقتــالع
الفلسـطينيني مـن أرضهـم وتحويلهـم إلـى الجئـني سـنة 1948 عندمـا
تـم اقتـالع ثلثـي الشـعب الفلسـطيني فـي عمليـة تطهيـر عرقـي هـي
األكبــر فــي العالــم منــذ الحــرب العامليــة الثانيــة )12(. هــذا التجمــع
الــذي حــدĀ فــي لوبيــة بعــد حوالــي ســبعة عقــود يثبــÿ للقاصــي
والدانـي أن الفلسـطينيني قاومـوا ومـا زالـوا سـطوة النسـيان، أكان
ذلــك بــني الكبــار أو أحفادهــم الصغــار.
إن التجميـع الكمـي للبيانـات واملعلومـات ال يمكنـه أن يكـون بديـ ًال عـن
القصـص الحيـة للشـعوب املعنيـة، ويكتسـب التاريـخ الشـفهي أهميـة
قصــوى إلنصــاف ضحايــا االســتعمار واألنظمــة العنصريــة وذلــك
إلنصافهــم وإعــادة حقوقهــم املســلوبة، وهــذا مــا حصــل إلــى حــد
بعيـد فـي لجنـة املصالحـة والحقيقـة:and Truth African South The
TRC Commission Reconciliation سـنة .1994 هـذا املثـال الحـي
يجـب أن يكـون عالمـة فارقـة ألكثـر مـن 6 ماليـني الجـئ فلسـطيني
يعيشـون فـي 52 ً مخيمـا فـي فلسـطني وخارجهـا )13(.
هــؤالء الالجئــون املحرومــون مــن الحــد األدنــى مــن حقوقهــم التــي
نـص عليهـا القـرار194 ، فـي التعويـض والعـودة وإعـادة األمـالك لهـم
ودفــع بــدل األضــرار التــي لحقــÿ بهــم نتيجــة تهجيرهــم القســري،
حتــى فــي املحاولــة السياســية التــي تمــÿ عــام 1993 فيمــا تعــرف
بــ »عمليــة الســالم«، تــم اســتبعاد هــؤالء الالجئــني مــن حقهــم فــي
التعبيــر عــن طموحاتهــم السياســية وخياراتهــم بمحــض إرادتهــم.
إن إشـراك الالجئـني مباشـرة وسـماع رأيهـم وقصصهـم ورغباتهـم
ً سيشـكل مفتاح ً ـا أساسـيا ألي حـل عـادل كمـا كتـب ريتشـارد فولـك
)Folk Richard )املبعـوĀ األممـي لألمـم املتحـدة فـي تقريـره الصـادر
)15( فـي 2001 بعـد زياراتـه املتعـددة ملخيمـات اللجـوء. مـا هـو

الشكل(٧.٣٣٥): لوبيا صورة جوية قبل النكبة
ً التاريـخ إن لـم يكـن معبـرا عـن حقيقـة طموحـات ورغبـات الشـعوب
املعنيـة!
إن نظريــات »الذاكــرة« و«الهويــة« التــي تــم تطويرهــا فــي املدرســة
الفرنســية للعلــوم االجتماعيــة والعلميــة وبشــكل رئيســي ممثلــة
بموريــس هولبوتــش وبييــر نــورا )Pierre & Halbwachs Mouris
Noura)، شـكلÿ اإلطـار النظـري لشـرعنة املقاربـة الشـفهية والذاكـرة
ً الجماعيــة أيضــا.
يحتـل هولبوتـش ونظريته حـول الذاكرة الجماعيـة ,1992Halbwachs
ً مركــز ً ا رئيســيا بتبيانــه وجــود الذاكــرة الجماعيــة التــي تتخطــى
الذاكــرة الفرديــة والخاصــة. فــي هــذا اإلطــار، وباالســتناد إلــى مــا
ً سـلف، هنـاك خمـس عالمـات فارقـة يتذكرهـا اللوابنـة، وخصوصـا
الجيــل الــذي عاصــر النكبــة:
معركة حطني 1187
لوبية هي مكان والدة العالمة اإلسالمي أبو بكر اللوبياني
موت حاكم دمشق سليمان باشا في لوبية سنة 1743
مسـيرة نابليـون الحتـالل عـكا سـنة 1799 ودور الضابـط مـن لوبيـة
خليـل إبراهيـم عـزام فـي مقاومـة الجيـش الفرنسـي
حجــر النصرانــي حيــث جلــس املســيح عليــه وهــو فــي طريقــه مــن
الناصــرة إلــى طبريــا )16(.
لقـد تـم تذكـر حادثـة أو اثنتـني علـى األقـل مـن املذكـورة أعـاله فـي
جميــع املقابــالت التــي أنجزتهــا مــع أهالــي القريــة. الحــاج محمــد
سـمير كـرزون رسـم خارطـة لوبيـة وجميـع بيوتهـا وتذكـر أصحابهـا:
»صحــوت فــي إحــدى الليالــي ولــم أســتطع النــوم، أخــذت مجموعــة
أوراق وشـرعÿ بالكتابـة. هـذا مـا تـم رسـمه«، قالهـا وهـو يناولنـي
خارطــة لوبيــة فــي مخيــم اليرمــوك حيــث يعيــش كــرزون )17(.

590
إذا قارنـÿ مـا رسـمه كـرزون وصـورة لوبيـة الجويـة فـي ،1945-10-4
فلـن تسـتطيع إيجـاد أي فـرق بـني الصـورة الفوتوغرافيـة ومـا رسـمه
كـرزون، بـل إن هـذه األخيـرة أكثـر حيويـة وحيـاة بشـمولها األسـماء
والبيوتـات ألهـل القريـة جمعـاء قبـل تسـويتها بـاألرض )18(.
شـجرة جـذور العائلـة )2005:49 Issa )إلحـدى عائـالت لوبيـة تعـود
إلـى الحسـن بـن علـي أحـد الخلفـاء الراشـدين فـي القـرن السـابع،
ً وتثبـÿ األهميـة الرمزيـة والذاكـرة الجمعيـة ألهالـي القريـة، خصوصـا
لتقويـة الجـذور فـي االغتـراب القسـري فـي املهاجـر.
شـجرة أخـرى برسـم يوسـف أبـو دهيـس )2005 Issa49,57- )تبـني
جـذور العائلـة وتواجدهـم فـي املهاجـر.
يفهـم بييـر نـورا )Noora Pierre )التاريـخ واألرض كأماكـن »للذاكـرة«
معــان علــى تحتــوي ٍ( Realms of Memory, Noora 1996: xvii(
متعــددة وتفســيرات مختلفــة لثالثــة أنــواع مــن الذاكــرة: األرشــيفية
والواجبـة واملسـافة الزمنيـة. مـن خـالل مقابالتـي للوابنـة، اسـتطعÿ
أن أوثـق أسـماء 126 ً مكانـا فـي لوبيـة مـع تضمـني كل مـكان املعانـي
املرافقــة، وتســعة مقامــات )أماكــن دينيــة(، وخمــس مغــر و)موقعهــا
بالضبــط علــى الخريطــة(، وفــق مــا يتذكــر اللوابنــة. هــذا كلــه يثبــÿ
أن األرض كــ »قطعـة مـن الذاكـرة« ال تمحـى ولـو بعـد سـبعة عقـود
مـن التهجيـر)19(.
مــن املمكــن للمقابــالت الشــفهية أن يتــم تفســيرها وتحليلهــا
بطريقــة منهجيــة عبــر املقاربــة املابعــد حداثيــة لــ »هيرمونطيقيــا
والفنومنولوجيــا«، )20( )Phenomenology & Hermeneutic)، ألن
هــذه املقاربــة تســتطيع أن تنطبــق علــى األجيــال املختلفــة للمعنيــني

باملقابــالت، وتســتطيع توجيــه األســئلة املختلفــة وتلقــي اإلجابــات
ومعرفــة ثنايــا التــراĀ الثقافــي وتفســير مختلــف طبقــات الــكالم
املسموع.
يحتــل الحديــث والحــوار والتفســيرات أهميــة بالغــة فــي الفكــر
املابعــد حداثــي للمفكريــن لـــدريدا وفوكــو وليونــارد وآخريــن. إن
النظــرة الكونيــة األيديولوجيــة لــم تعــد تصلــح فــي وقتنــا الراهــن
ملعرفــة املجتمعــات اإلنســانية، حيــث يحتــل اإلنســان الفــرد، ســواء
ً كان متعلم ً ـا أو أمي ً ـا، مركـز ً ا متطـورا فـي املجتمعـات كمـا تقـرأ فـي
»تشــبيه املســافر« ً لــ كفيــل املذكــور ســابقا.
حتــى فــي بلــد مســتقل منــذ مئــات الســنني كمملكــة الدنمــارك، قــام
مجموعــة مــن الباحثــني فــي املتحــف الوطنــي بمبــادرة لتســجيل
ذكريـات الكبـار وتجاربهـم عبـر تقنيـة املقابـالت، مـن أجـل االحتفـاظ
بهــا لألجيــال الالحقــة، لتعريفهــم بتاريــخ أجدادهــم كمــا رووهــا
بألســنتهم.
التقارير الشفهية في العصور القديمة
غلغامش وهيرودوتس واملعلقات
يجـادل بعـض العلمـاء بـأن تقاليـد وتاريـخ املشـافهة كانـÿ ومـا زالـÿ
مــن أهــم املصــادر لفهــم الجوانــب املختلفــة للحقائــق الشــخصية
ً والتاريخيــة ولألســاطير أيضــا فــي مرحلــة مــن املراحــل املعينــة،
ِ والبعــض اآلخــر يقــول ب َ قــدم التاريــخ الشــفهي كمــا التاريــخ نفســه،
أي أنـه متـال ً زم مـع بـزوغ التاريـخ، خصوصـا قبـل اختـراع الكتابـة
فــي بــالد الرافديــن )Mesopotamia )ومصــر فــي األلفيــة الرابعــة-
الثالثــة قبــل امليــالد.
املـؤرخ اليونانـي هيرودوتـس )425-484 BCE )الـذي يرمـز إليـه عـادة
كأب للتاريــخ، كان مــن أوائــل مــن اعتمــدوا علــى املــواد الشــفهية
املجمعـة كأسـاس للتحقيقـات وكمثـل هـام لجمـع املعلومـات كمـا يبـني
فـي كتابـه الوحيـد التواريـخ )22( Histories The. الكثيـر مـن قصصه
ورواياتــه كانــÿ محــل تجــاذب عنــد املؤرخــني اليونانيــني الالحقــني
كاليونانــي املســرحي الكوميــدي أرســتوفانس )450 Aristophanes-
388( واملــؤرخ اليونانــي ثوســيديس 460 Thucydides400- BCE)
الـذي كان مـن أوائـل مـن اسـتعمل املقابـالت مـع الجنـود كأسـلوب
جديــد لتوثيــق حــرب البيلوبونســيان Peloponnesian بــني أثينــا
وإســبارطة.
غيــر أن املؤرخــني اســتبعدوا هيرودوتــس مــن فرضياتهــم حــول
قصصــه للشــك فــي مصداقيتهــا، ومــع هــذا بقيــÿ ســمعته كأب
ً للتاريــخ حتــى وقتنــا الحاضــر. إن التقاليــد الشــفهية، وخصوصــا
عبــر األســاطير واملالحــم والخرافــات كملحمــة جلجامــش، متجــذرة
فــي ثقافــة حــوض املتوســط.
يجـادل وليـم هاريـس Harris William بـأن معظـم العلمـاء املعاصريـن

ٔنقاض القرية املهجرة

الشكل(٧.٣٣٦): اثناء تصوير فيلم على ا
التاريخ الشفوي والذاكرة الحية

591
يعتقـدون أن املالحـم الهومريـة Homeric ))حتـى وإن كان هنـاك مؤلف
واحـد لهـا، فهـي تديـن بالكتابـة لهـذا التقليـد الكبيـر للشـعر الشـفهي
غيـر املكتـوب فـي قصـص الحمـالت العظيمـة إلـى الشـرق وحكايـات
قادتهــا املحفوفــة باملخاطــر فــي طريــق عودتهــم ألوطانهــم. هــذه
القصـص كانـÿ شـائعة فـي اليونـان قبـل تأليـف اإلليـاذة واألوديسـة
بكثيــر. وعندمــا نبــدأ بأخــذ االعتبــار بــأن األشــعار الهومريــة أكثــر
أو أقــل كونهــا قطعــة أدبيــة قديمــة، عندهــا فقــط ســيفتح البــاب
لتفســيرات وارتباطــات مختلفــة لهــذه األشــعار. إن تأثيــر مســرحية
غلغامـش والكتابـات املعاصـرة لهـا تطغـى بقـوة كفرضيـة اعتمدهـا
هومـر فـي كتاباتـه بطريقـة غيـر مباشـرة )22(.
إن الشـعر الشـفهي املسـمى املعلقـات ملـا قبـل الفتـرة اإلسـالمية كانÿ
لــه مشــتركات مختلفــة ثقافيــة ولغويــة مــع املحيــط الــذي حولــه كمــا
يبــني الفيلســوف العربــي املغربــي محمــد الجابــري فــي كتابــه )نقــد
العقـل العربـي(. ففـي العصـر العباسـي وخالفـة املــأمون )833-786(،
ازدهـرت الترجمـة والتوثيـق بشـكل الفـÿ، وعندمـا يختلـف املؤرخـون
املجتمعـون فـي بغـداد ودمشـق واإلسـكندرية، حـول كلمـة مـا أو قـول
ً مــا، كانــوا يبعثــون أحــدا مــن طرفهــم للســفر للمدينــة ومكــة للتأكــد
منهــم حــول صدقيــة وصحــة لفظــة مــا أو معناهــا بالتحديــد. فهــل
هـذا يطـرح السـؤال املهـم حـول الـدور الـذي يلعبـه غيـر املتخصـص،
واملعتمـد بشـكل رئيسـي علـى ملكتـه الشـعرية الشـفهية فـي توجيـه
وقيـادة األحاديـث واألقـوال املتداولـة فـي ذلـك الحـني ً ، وخصوصـا في
تناقـل الحديـث للرسـول الكريـم؟ إن هـذا التسـاؤل للجابـري مـا زال
ً راهن ً ـا ويفتـح آفاقـا واسـعة للبحـث حـول ترابـط الشـفهي والكتابـة،
ً خصوصــا فــي قبيلــة قريــش التــي كانــÿ تمثــل لهجتهــا القاعــدة
األساسـية للغـة العربيـة الكالسـيكية التـي كتـب القـرآن بلغتهـا.
ً إن للتقاليـد الشـفهية جـذورا عميقـة فـي املنطقـة عامـة، إن كان ذلـك
فــي اليونــان القديــم أو ســوريا أو بــالد الرافديــن وحتــى أيامنــا
الحاليــة. نشــاهد فــي معلــوال، القريــة القريبــة مــن دمشــق، كيــف
يحفـظ األطفـال الصغـار عـن ظهـر قلـب اللغـة اآلراميـة التـي تشـكل
أحـد املصـادر األساسـية للغـة العربيـة الالحقـة. إن معلـوال والقريتـني
القريبتــني منهــا جباتــني وبقعــا فــي ســوريا املعاصــرة همــا مظاهــر
جليـة وواضحـة لآلراميـة الغربيـة التـي تكلـم لغتها السـيد املسـيح في
الجليــل قبــل ألفــي عــام. إن قصــص هومــر فــي اإلليـاذة واألوديســة
ً كانـÿ متداولـة لقـرون طويلـة فـي املنطقـة كافـة، وخصوصـا حمـالت
القــادة العســكريني ورواياتهــم فــي طريــق العــودة لبلدانهــم.
البخــاري )870-810( أحــد الــرواد فــي فحــص وتمحيــص الروايــات
الشفهية
إن األمثلــة الكالســيكية املذكــورة أعــاله، قصــدت إدراجهــا كمقدمــة
للتعريـف بأهميـة اإلمـام البخـاري ومنهجيتـه فـي فحـص وتمحيـص
صدقيــة األحاديــث التــي كانــÿ متداولــة عــن الرســول الكريــم،
ً وخصوصــا املجمعــة عــن طريــق الشــهادات الشــفهية.

إن القــرن الســابع امليــالدي والفتــرة التــي أعقبــÿ بعثــة الرســول
وأقــوال الصحابــة فــي نقــل الحديــث، شــكلÿ تســاؤالت عــدة حــول
دقــة النقــل وضوابطــه. لقــد اســتغرق العلمــاء العــرب واملســلمون
عـدة سـنوات مـن البحـث واملقاربـة حتـى أمكـن التوصـل إلـى توافـق
حـول الحديـث. كان البخـاري إحـدى أهـم الشـخصيات التـي طرحـÿ
التســاؤالت الجديــة حــول الكثيــر مــن األحاديــث املتداولــة.
فــي مجلداتــه الســتة، اســتبعد الكثيــر مــن األحاديــث وأبقــى علــى
أقــل مــن ثلثيهــا، لقــد وضــع معاييــر ومناهــج وضوابــط لصدقيــة
األحاديـث املنقولـة قبـل نقلهـا كتابـة. ففـي حـاالت عـدة، كان البخـاري
يسـافر بنفسـه مئـات األميـال علـى ظهـر حصانـه ليسـمع بنفسـه مـن
ً األشـخاص الذيـن يـروون األحاديـث، واضع ً ـا بذلـك شـروطا صارمـة
للنقــل ولصدقيــة الناقــل واملراجــع املتواتــرة، وصــوًال إلــى التوثيــق
الكتابـي املعتمـد عنـد أغلبيـة العلمـاء املعاصريـن.
املوضوعية في التأريخ
ً باختــراع الكتابــة واملطبعــة الحقــا، بــدأ دور الكتابــة املطبوعــة يأخــذ
ً دور ً ا يشــبه املقــدس فــي أهميتــه ودوره، خصوصــا فــي التوثيــق.
ولكـن فـي السـنوات األخيـرة وظهـور الدراسـات املابعـد كولونياليـة
والدراســات الثقافيــة للشــعوب املســتعمرة، بــدأت تطــرح عالمــات
اســتفهام كبيــرة علــى صدقيــة الوثائــق فــي األرشــيفات املختلفــة
لقــوى االســتعمار الجديــد والقديــم. فــي النهايــة، املنتصــر هــو مــن
يكتـب التاريـخ ويحفظـه فـي أرشـيفه. عـدد غيـر قليـل مـن املؤرخـني
بــدأ يبحــث ويشــكك بصدقيــة وصحــة األرشــيف ومحتوياتــه ودور
»الــذات« و«املوضــوع« والذاتــي واملوضوعــي فــي هــذه العمليــة. كل
ذلــك يســتوجب علينــا اإلجابــة عــن الســؤال: مــن يصنــع التاريــخ
ومــن يملــك الســلطة األخالقيــة والقانونيــة لتدويــن أحــداĀ التاريــخ؟
مـا هـو دور »املهمشـني« و«غيـر املثقفـني أو غيـر املتعلمـني األميـني«
َ كمــا يصمهــم البعــض واملســتعمرين واملضطهديــن؟ هــل تؤخــذ رؤى
ونصــوص هــذه املجموعــات الســالفة الذكــر بعــني االعتبــار عنــد
تســجيل وتأريــخ املرحلــة املعينــة؟ ومــا هــي أفضــل الســبل لتدويــن
تجــارب هــؤالء؟
إن »الذاتيـة« التـي تحكـم هـؤالء املوجوديـن فـي مركـز »القـوة« تبعـث
علـى الشـك فـي هـذا املعطـى املسـمى »موضوعيـة« ً ، وخصوصـا فـي
الدراسـات االجتماعيـة. إن تجربـة جنـوب أفريقيـا بعـد تخلصهـا مـن
النظـام العنصـري البغيـض أواخـر القـرن املاضـي وعـدم كفايـة أدلـة
األرشـيف الرسـمي إلحقـاق الحـق للغالبيـة التـي كانـÿ محرومـة ومـا
زالـÿ مـن حقوقهـا خيـر دليـل علـى ذلـك. فـي تشـرين ،2003 شـاركÿ
برحلــة بحثيــة إلــى جنــوب أفريقيــا لدراســة تجربتهــم فــي اســتعادة
أمالكهــم بعــد عشــر ســنوات مــن االنتهــاء الرســمي لنظــام الفصــل
العنصــري. ســكرتير األراضــي فــي بريتوريــا، تــوزا، أكــد لنــا أنهــم
يسـتعملون تقنيـة التاريـخ الشـفهي لتحديـد قطـع األراضـي اململوكـة
ً للســود التــي صادرهــا البيــض زورا. هــذه األراضــي غيــر مســجلة
التاريخ الشفوي والذاكرة الحية

592
ً رسـمي ً ا للسـود إطالقـا. كذلـك تـم اسـتعمال شـجرة العائلـة واملقابـر
وعالماتهـا البينـة كجـزء مـن اسـتعادة الحقـوق لألغلبيـة التـي حرمـÿ
مـن حقوقهـا نتيجـة سياسـة الفصـل العنصـري.
ً فقدان أهمية التاريخ الشفهي فلسطينيا
ً تكتسـب أهميـة التاريـخ الشـفهي فـي الحالـة الفلسـطينية بعـد ً ا مهمـا
ًجـدا فـي مواجهـة الروايـة الصهيونيـة املغلفـة بغطـاء دينـي التي تلعب
ً دور ً ا كبيـرا فـي طمـس معالـم روايـة السـكان األصليـني. عندمـا دخـل
الجيــش اإلســرائيلي إلــى بيــروت عــام ،1982 كان أول أهدافــه هــو
مركـز األبحـاĀ الفلسـطيني وأرشـيفه املهـم، وذلـك بمصادرتـه ونقلـه
إلـى األراضـي املحتلـة )28(. مئـات بـل آالف الكتـب طبعـÿ وعالجـÿ
القضيـة بمختلـف جوانبهـا: التاريخيـة، واالجتماعيـة، واالقتصاديـة،
والنفسـية، والسياسـية، وبـني هـؤالء نفـر غيـر قليـل مـن الفلسـطينيني
أنفسـهم. لكـن وباسـتثناء عـدد قليـل منهـم، بقـي سـؤال مركـزي ومهـم
غائـب عـن معظـم هـذه الدراسـات، وهـو التسـجيل الوثائقـي املباشـر
ألصحــاب األرض املمثلــني الحقيقيــني لحقائــق التاريــخ. إن األغلبيــة
مـن الفالحـني املزارعـني ّ الذيـن حرثـوا وهندسـوا وسـوروا حقولهـم
وشــجروها علــى مــدى عقــود وقــرون، والذيــن بنــوا قراهــم مــن
حجـارة جبالهـم املحيطـة فـي أيـام الحـرب والسـلم، هـؤالء مغيبـون
عــن الوثائــق التاريخيــة، إنهــم حســب التســمية الغريبــة لهــم فــي
النصــوص اإلســرائيلية، املســتعمرون الجــدد، يدعوهــم الحاضــرون
الغائبــون )Absentees Present). إن الســؤال املركــزي يبقــى: ملــاذا
ال يقــوم الفلســطينيون بأنفســهم بتدويــن التاريــخ الشــفهي لــآلالف
ممـن عاشـوا التجربـة قبـل وبعـد النكبـة قبـل أن يكـون الوقـÿ عامـ ًال
ً معاكسـا لرغبـة التدويـن؟ هـل هـذا سـبب يعـود لألميـة بـني الفالحـني،
كمـا يدعـي البعض؟
ً أختلــف جذريــا مــع هــذه الحجــة، ولكــن دعنــا نفتــرض صحــة
هــذه الحجــة، يحــق لنــا الســؤال أيــن هــم املثقفــون والثوريــون
الفلسـطينيون؟ ملـاذا نجـح الفيتناميـون والصينيـون فـي هـذه املهمـة
فـي توثيـق رواياتهـم بينمـا لـم يوفـق الفلسـطينيون بذلـك؟ إن إعـادة
السـؤال املركـزي: ً هـل نرغـب حقـا بمعرفـة تاريخنـا الحديـث، ناهيـك
عــن التاريــخ القديــم منــذ العصــر الحجــري؟ والســؤال التالــي:
هــل نحــن راغبــون بتطبيــق التعريفــات الحديثــة للثقافــة والتاريــخ
ً بعيــدا عــن الحلقــة الضيقــة املثقفــة، التــي تدعــي امتالكهــا للمعرفــة
وأدواتهــا؟ واملثــال التالــي يدلــل علــى النقطــة أعــاله: عندمــا كان
البروفيسـور شـريف كناعنـة يـدرس طالبـه علـوم األنثروبولوجيـا فـي
جامعـة بيرزيـÿ، وهـو أول مـن افتتـح مشـروع توثيـق القـرى املدمـرة
فــي فلســطني، كانــÿ ردة الفعــل أقــرب إلــى التهكــم منهــا إلــى أي
شــيء آخــر »للبحــث عــن اآلثــار امليتــة مــن املاضــي!«. لكــن كناعنــة
تابـع جهـوده الحثيثـة لحـث الطـالب علـى مقابلـة املهجريـن وتوثيـق
ً رواياتهـم. النتيجـة كانـÿ باهـرة حقـا، وصـدرت عـن جامعـة بيرزيـÿ
ً سـبعة وعشـرون كتيب ً ـا موثقـا بالصـورة والصـوت. أسـاتذة آخـرون
أكملـوا هـذا املضمـار مثـل صالـح عبـد الجـواد وغيـره، حتـى أصبـح

ً اآلن تيـار ً ا مركزيـا. وبعـد حوالـي نصـف قـرن مـن البدايـة، مـا زال
ً املشـوار برأيــي املتواضــع غيــر مكتمــل، خصوصــا أننــا فــي ســباق
مـع الزمـن مـع مـن تبقـى مـن جيـل النكبـة.
ســاهرة دربــاس هــي األخــرى قامــÿ بجهــود مضنيــة فــي هــذا
املضمـار عبـر إصدارهـا لثالثـة كتـب عـن قـرى مدمـرة فـي محافظـة
حيفـا )سـلمة والطيـرة والبـروة(، باإلضافـة إلـى مجموعـة هامـة مـن
األفــال ً م الوثائقيــة، خصوصــا عــن املــرأة الفلســطينية )30(.
ً الســؤال الباقــي حيويــا: هــل هــذه املبــادرات الفرديــة كافيــة لتوثيــق
ً تاريخنـا الحديـث؟ بعـد أربعـة وسـبعني عامـا مـن االقتـالع والتهجيـر
وأكبــر عمليــة ســرقة منظمــة وتطهيــر عرقــي منــذ الحــرب العامليــة
الثانيــة، لــم نتوفــر إال علــى مئــة وثالثــني ً كتابــا تغطــي أقــل مــن
ربــع القــرى املدمــرة )31( ً . وفــي هــذا املضمــار، أذكــر أيضــا غســان
الشــهابي وجهــده الشــخصي لتوثيــق عشــرات القــرى املدمــرة فــي
دار الشـجرة فـي مخيـم اليرمـوك )32(، الـذي قضـى فـي أتـون الحـرب
وهــو يحــاول مســاعدة املحتاجــني مــن أهــل املخيــم. فهــل يعقــل أن
كارثــة بهــذا الحجــم لــم توثــق حتــى بفيلــم ســينمائي علــى مســتوى
ً عاملـي يوثـق هـذه الجرائـم التـي لـم تتوقـف يومـا منـذ 1948؟
ً فـي ظـل فقـدان الكثيـر مـن املصـادر، وخصوصـا البشـرية، ال بديـل
عــن الشــروع بمقابــالت نوعيــة وكميــة للعــدد املحــدود مــن الباقــني
علــى قيــد الحيــاة، الذيــن ال يتجــاوز عددهــم مــن 3,3% إلــى 3،9%
حسـب مصـادر اإلحصـاء، وهـذا العـدد يقـارب 210,000 )كمـا ذكـرت
روز مــاري صايــغ فــي مقابلتهــا مــع مجلــة »جنــى«(.
ذكريات من ماضي لوبية
الذكريـات هـي مـن أفضـل مـا أنتجتـه الذاكـرة اإلنسـانية. الذكريـات
هـي قطـع مـن الحيـاة. كل شـخص فـي هـذه الحيـاة قـادر علـى هـذه
املهمــة. أكثــر مــن ثالثــني ً شــخصا مــن الذيــن قابلتهــم غــادروا فــي
العشـرين سـنة األخيـرة. الكثيـر تـم افتقـاده، لكـن فايـز الفـواز الـذي
ً شـغل حيـز ً ا كبيـرا فـي مقابالتـي فـي مخيـم اليرمـوك يزيـد علـى 12
ً سـاعة تسـجيل، لـه موقـع خـاص عندمـا يخاطـب لوبيـة شـعرا:
يا زاير إن رحÿ لبالدك زيارة
بوس ترابا، بوس الحجارة
إذا ميلÿ على لوبية األبية
بحزنك يا زائر منظر أثارها
شمل على الحارة الشمالية
وزور البلد حارة بعد حارة
ملن جربÿ القوات اإلسرائيلية
على لوبية تشن غارة

التاريخ الشفوي والذاكرة الحية

593

دبابات وطيارات ومدفعية
ورشاشات تزخ بغزارة
كان العدد واحد ملية
ودارت املعركة من دار لدارا
وبقينا بحلوقهم شوكة قوية
قاطعني الطريق ومشددين الحصارا
إلى أن جاءت قوات القاوقجي

سلمتنا بأمر مدروس وصدر قرارا
مــن الطبيعــي أن نواجــه مشــكالت نظريــة وعمليــة أثنــاء املقابــالت.
جــزء مــن هــذه املشــاكل التــي واجهتهــا طريقــة املقابــالت النوعيــة

الشكل(٧.٣٣٧): كتاب لوبة قرية فلسطينية في الجليل
وتصنيــف املواضيــع قبــل طــرح األســئلة، واختيــار املــكان والزمــان
املالئمـني، وفحـص مصداقيـة األقـوال مـن خـالل طـرح أسـئلة مضادة
ومقابلتهــا بالوثائــق واملصــادر التاريخيــة املتوفــرة فــي األرشــيفني
البريطانــي واإلســرائيلي، بمــا فــي ذلــك روايــة الطــرف اآلخــر حــول
األحــداĀ املتصلــة بالبلــدة.
إن املقاربــة النقديــة للروايــات يجــب أال تســتبعد القصــص ذات
ً الطبيعــة الحساســة اجتماعي ً ــا وسياســيا، كالقضايــا املتصلــة
بمفاهيـم الشـرف واألمانـة والخيانـة. وهـي متروكـة للباحـث لتقييمهـا
وروايتهــا بعــد تمحيــص جوانبهــا املختلفــة.

يجــب كذلــك األخــذ بعــني االعتبــار العوامــل النفســية عنــد تذكــر
األحــداĀ األليمــة املاضيــة وتأثيراتهــا املأســاوية علــى النفــس حتــى
بعــد مــرور نصــف قــرن علــى األحــداĀ.
وفــي الخالصــة، هنــاك أكثــر مــن خمســني ً ألفــا مــن أهالــي لوبيــة
منتشـرون فـي زوايـا الكـون األربعـة ينتظـرون عودتهـم الحتميـة إلـى
ديارهـم، مـن أجـل ذلـك، تبـرز أهميـة توثيـق بداياتهـم ونقـل أصواتهـم
حتـى تبقـى عصيـة علـى النسـيان، وحتـى تتحقـق العدالـة الناجـزة
فـي التعويـض والعـودة.
أود أن أنهــي مقالتــي هــذه بمــا قالــه 484 Euripides107- BCE« ال
يوجـد أسـى أكبـر مـن فقـدان إنسـان ألرضـه وموطنـه«، وكمـا قـال
ميـالن كونديـرا Kundera Milan عنـد تضـاد الذاكـرة والنسـيان »إن
صـراع اإلنسـان ضـد السـلطة، هـو صـراع الذاكـرة ضـد النسـيان«،
. )Kundera 1980:5(
إن التاريــخ الشــفهي هــو حركــة املاليــني املهمشــة واملمنوعــة مــن
امتـالك القـوة ومـن روايـة تاريخهـا، يكفينـا دليـل واضـح علـى ذلـك
بعــد قتــل األميركــي Floyd George فــي أميــركا وموجــة الغضــب
الهائلــة التــي عمــÿ العالــم أجمــع وتــم تجســيدها بتحطيــم تماثيــل
لشــخصيات لوثــÿ التاريــخ بعنصريتهــا البغيضــة وتجارتهــا بأحــط
قيـم البشـرية األخالقيـة لبنـاء ثرواتهـا املنهوبـة علـى حسـاب هـؤالء.
ً هـل لنـا أن نتصـور تاريخـا بـدون ذاكـرات وتوحـد ضحايـا املجـازر
فــي أميــركا الشــمالية ضــد الســكان األصليــني والهنــود الحمــر،
وجنـوب أفريقيـا وأرمينيـا والجزائـر وكردسـتان والبوسـنة وروانـدا
ً وميانمــار وأخيــرا فلســطني )1948-1947(، حيــث تــم توثيــق ســبعني
مجـزرة )36( كمجـزرة ديـر ياسـني، والطنطـورة، وصفصـاف، واللـد،
ولوبيــة، وعيلبــون، والدوايمــة، كأمثلــة فقــط ال للحصــر.

قمح التاريخ وصَهْيَنة الأركيولوجيا -Subhi Hadidi’s article

 

لم يكن ينقص عالم الآثار الإسرائيلي دورون بن ـ عامي سوى إطلاق صرخة «أوريكا!»، الـ«وجدتُها» الشهيرة المنسوبة إلى أرخميدس؛ وهو، أيّ الأوّل، يعلن أنّ حفنة من حبوب القمح استُخدمت في تحليلها تقنية التأريخ عن طريق الكربون المشعّ، أثبتت أنّ أبرز قلاع وادي عربة إنما شُيّدت بأيدي بني إسرائيل؛ وليس الآشوريين، فما بالك بالأدوميين، كما تقول الدراسات الآثارية الراهنة. ما هو أبعد دلالة من نَسَب التشييد هذا أنّ «إسرائيل»، حسب تسمية بن ـ عامي، وليس ممالك اليهود مثلاً، هي التي سيطرت على طرق التجارة مع جزيرة العرب، وأدارت مراكزها وحصونها.
«هنا يكمن جمال الأركيولوجيا»، يقول بن ـ عامي، «إذْ إنك طوال سنوات مأخوذ بفرضيات معيّنة، رغم أنك لا تملك عليها دليلاً محسوساً، فتحاول أن تلائم كلّ شيء طبقاً لها. إلى أن تكتشف أنك كنت تخطو في الظلام، بفضل حفنة من حبوب القمح». والإشارة هنا إلى حصن عين حتسيفا جنوب البحر الميت (عين حَصَب، في التسمية الفلسطينية الأم)، وتل الخليفة (أحد أبرز المواقع الأدومية الأردنية، في رأس خليج العقبة)؛ والحصن خضع لتنقيبات وأبحاث إسرائيلية منذ تسعينيات القرن المنصرم، من دون التوصل إلى خلاصات تثبت صلته بالممالك اليهودية خلال النصف الأوّل من القرن الثامن قبل الميلاد.
حتى عثر بن ـ عامي وفريقه على ما تختزنه حبوب القمح من كنوز المعلومات، القاطعة في يقينه، التي تجبّ ما توصل إليه علماء آثار سابقون عكفوا طويلاً على دراسة هذه البقعة تحديداً؛ وفي عدادها لفائف البحر الميت الشهيرة، التي شكلت قفزة كبرى حاسمة في التصويب والتوثيق على حدّ سواء. وكان الطراز المعماري للحصن، وكذلك المعطيات التي تردّ تاريخ تشييده إلى الفترة بين 1200 و586 قبل الميلاد، تؤكد قرابته الوثيقة مع تلّ الخليفة؛ بل وتوحي أنّ المعماري ذاته كان وراء المنشأتين، خلال الحقبة الواحدة ذاتها؛ وأنّ هندسة العمارة الآشورية، بعناصرها الراسخة المتكررة، هي التي تطبع الموقع.
لكنّ أمثال بن ـ عامي، ومن ورائهم مؤسسة الآثار الإسرائيلية الحكومية، وسائر المؤسسات الصهيونية المعنية أغلب الظنّ؛ يصعب أن يهتدوا بالبراهين المادية المحسوسة التي توفّرها التنقيبات الأركيولوجية، من حجر أو رقيم أو مستحاثة أو جدار أو قوس؛ مقابل ما توحي به نصوص توراتية، غائمة تارة أو افتراضية طوراً، أو حتى مجازية بلاغية إجمالاً. لهذا، فإنّ تحليل الحبوب في مخبر معهد وايزمن للعلوم قاد بن ـ عامي إلى الاقتناع بأنّ الآشوريين لم يكونوا بناة الحصن، رغم أنّ تقنية الكربون المشعّ غير قادرة على تحديد سنة معيّنة، بل ترجح نافذة زمنية واسعة يمكن أن تمتدّ إلى سنوات، أو عقود، أو حتى قرن بأكمله!
ولا عجب أنه استعان بعدد من أسفار التوراة، «التكوين» إجمالاً، ولكن «أخبار الأيام» خصوصاً لأنه الكتاب الأخير في الـ»تناخ» اليهودي؛ وتغاضى، والأحرى أنه تجاهل عامداً، أبحاث البريطاني آدم كلارك ذائعة الصيت منذ أواخر االقرن الثامن عشر، وعالية المصداقية في الأوساط الدينية والأركيولوجية معاً، والتي تصحح الكثير من التسميات والتوصيفات التوراتية حول هذه المنطقة الجغرافية بصفة خاصة. وقرابة 40 سنة من أشغال كلارك الواسعة على نصوص التوراة، و»الأخبار» الأوّل والثاني ابتداء، انتهت إلى نتائج مذهلة بقدر ما هي عالية الوثوق؛ لا يُغفلها إلا منحاز مسبقاً، وعامد عن سابق قصد.
لا عجب كذلك أنّ بن ـ عامي أحجم عن إطلاق الـ»أوريكا» الشهيرة، لأنه ببساطة استبدلها بهذه الصيغة الميلودرامية: «إذا كان للمكتشفات الأركيولوجية أن تتكلم، فإنها الآن تصرخ هاتفة بأنّ تأسيس الحصن لا صلة تجمعه مع الآشوريين. وهنالك حاجة تقتضي العثور على حكاية مختلفة». وهذه، غنيّ عن القول، حكاية يتوجب أن تخدم التاريخ التوراتي كما اعتادت على إعادة تفسيره/ تشويهه مختلف القراءات الصهيونية، على سبيل إسباغ الشرعية الإسرائيلية في كلّ شبر من أرض فلسطين، وبالتالي تسليح بلدوزرات الاستيطان بشَفْرات، وشيفرات، توراتية قاطعة.
وليس عجيباً، ثالثاً وأساساً، أنّ إيغال يدين ثاني رؤساء أركان جيش الاحتلال، كان أستاذ علوم الآثار في الجامعة العبرية، وتفاخر باكتشاف لفائف البردي التي تعود إلى شمعون بار كوخيا، قائد التمرد اليهودي ضدّ الرومان في سنة 132 للميلاد؛ وأنه، حتى في منصب نائب رئيس الحكومة مناحيم بيغن، سعى إلى تكذيب رواية المؤرخ الكلاسيكي يوسيفوس فلافيوس حول واقعة جبل مسعدة واستيهامات الانتحار الجماعي للمحاربين اليهود داخل الحصن. وكان نيل آشر سيلبرمان، مؤلف كتاب «نبيّ من بين ظهرانينا»، 1994، الذي يروي سيرة يادين، قد اختصر المعادلة على هذا النحو البليغ: التنقيب عن الآثار اليهودية في أرض فلسطين التاريخية يسعى إلى «ترخيص شعري للاستيطان الإسرائيلي المعاصر».
فكيف لحفنة من القمح ألا تمنح ذلك الترخيص نفحة توراتية تتوخى صَهْيَنة الأركيولوجيا، الآن إذْ لم تعد الهستيريا الفردية هي وحدها عماد تزييف التاريخ، بل باتت سعاراً جَمْعياً يعصف بعقول غالبية ساحقة من أتباع صهيونية دينية عنصرية وفاشية؛ لعلها لم تعد تكترث بالتوراة أصلاً، إلا إذا استُوطنت أسفارها على أيدي أمثال إيتمار بن غفير، وسيده بنيامين نتنياهو

https://www.alquds.co.uk/%d9%82%d9%85%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae-%d9%88%d8%b5%d9%8e%d9%87%d9%92%d9%8a%d9%8e%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b1%d9%83%d9%8a%d9%88%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%8a%d8%a7/

Settler Colonialism Across Contexts: A Comparative Reflection

Settler Colonialism Across Contexts: A Comparative Reflection

Arab trans.follows the Eng….الاستعمار الاستيطاني عبر السياقات: تأمل مقارن

This comment engages four key works: The Settler Colonial Present by Lorenzo Veracini (2015); The Nutmeg’s Curse by Amitav Ghosh(2021); Israel, et mislykket samfund, en mislykket stat -Israel, a Failed Society, a Failed State (2023) by Morten Thing; and South Africa, Settler Colonialism & the Failures of Liberal Democracy by Thiven Reddy (2015). Together, these works trace recurring patterns of settler colonialism across regions including South Africa, Palestine, the Banda Islands, and the Americas.

Veracini conceptualizes settler colonialism as an enduring structure marked by the elimination of Indigenous lifeworlds. He distinguishes settler colonialism from other forms of colonialism through an analogy with biological processes—comparing them to bacteria and viruses—which operate differently, though both are intertwined in exploiting Indigenous bodies, while also seeking their displacement (p. 26). This structure involves environmental transformation, such as large-scale deforestation, and symbolic domination through practices like renaming. As Ghosh argues, renaming functions to erase prior meanings embedded in colonized landscapes. In Palestine, for example, more than ten thousand Arabic place names—villages, valleys, mountains, fields, harbours, cities, and towns—were replaced by Hebrew names, following colonization.

More than 80 forests and parks have also been renamed, often after international donors, contributing to the erasure of Indigenous toponymy. Three examples illustrate this process: the South African Forest established on the lands of Lubya (later contested and partially reversed following protests); Denmark Forest on the site of Allar; and Canada Park on the lands of Imwas – Imwas was one of three villages—along with Yalo and Beit Nuba—that were depopulated and destroyed during the Six-Day War in June 1967.

Acedemian & Literary works also register these dynamics. The War of the Worlds by H. G. Wells reflects exterminatory logics shaped by colonial violence, including the destruction of Indigenous populations in Tasmania. Ghosh further highlights how ecological destruction was integral to these processes: between 1865 and 1883, millions of buffalo were slaughtered in North America, linking the eradication of animal life to the dispossession of Indigenous peoples p. 68. As Nick Estes notes, the destruction of buffalo and Indigenous societies was structurally interconnected.

Similarly, Heart of Darkness by Joseph Conrad exposes the violence of colonial rule in the Congo Free State, encapsulated in Kurtz’s famous expressions: “The horror! The horror!” and “Exterminate all the brutes.” These phrases continue to resonate in contemporary dehumanizing discourses in nowadays Western World.

Morten Thing contributes to this field through a critical analysis of the colonization of Palestine, situating it within the broader history of the “Jewish Question.” His work examines the ongoing displacement of Palestinians since 1948 and can be read alongside two relevant monographs: Three Worlds: Memoirs of an Arab-Jew by Avi Shlaim , where 100.000 Iraqi Jews left Iraq from 1950-1951, p. 105; and The Hundred Years’ War on Palestine by Rashid Khalidi, which offer complementary perspectives. Morten’s book is extremely rich, precise, and well in-depth documented analysis. NB( Morten mentioned the refusal of compensation of 16,324,00 dunums confiscated by Israel, according to UNCCP report; & refusal to apply the 194 UN decision concerning the right of refugees to both Right of Return & Compensation;   while accepting to compensate the Christian Germans for the four villages they had confiscated from German Temple company: Sarona, Wilhelma, Betlehem (not the famous Bethlehem) & Waldheim-together with their property in Akka, Haifa, Yafa, Jerusalem. p.105. In 1962, they paid 54 mio. German Marks to both Germany and Australia for the refugees who left the land after 48. p106).   

Across cases—from the Americas, Australia, and New Zealand to Indonesia, South Africa, and Palestine—settler colonial projects display shared logics despite differing historical justifications. Whether driven by the spice trade in the early modern period or by oil and gas extraction in the modern era, these projects reveal enduring structures of dispossession and control. Over the past five centuries—since Christopher Columbus reached the Americas in 1492 and Vasco da Gama reached India in 1498—variations of Colonialism have repeatedly reproduced similar patterns, reshaping landscapes and societies in the pursuit of power, control, and profit, often justified through discourses of religion, race, and civilization.

Settler Colonialism Across Contexts: A Comparative Reflection

This comment engages four key works: The Settler Colonial Present by Lorenzo Veracini; The Nutmeg’s Curse by Amitav Ghosh; Israel, et mislykket samfund (2023) by Morten Thing; and South Africa, Settler Colonialism & the Failures of Liberal Democracy by Thiven Reddy. Together, they trace recurring patterns of settler colonialism across regions including South Africa, Palestine, the Banda Islands, and the United States.

Veracini conceptualizes settler colonialism (he differentiates Settler Colonialism from Colonialism by referring to the diference between two biological terms: the bacteria and the virus, that operates differently, although both intertwined to exploit the indigenous bodies mixed with  a will to displace them p.26 ),  as an enduring structure marked by the elimination of Indigenous lifeworlds. This process includes environmental transformation—such as large-scale deforestation—and symbolic domination through practices like renaming, which, as Ghosh argues, functions to erase prior meanings embedded in colonized landscapes. In Palestine, for example, more than ten thousand names of Arabic origin – villages, valleys, mountains, cities & towns- were replaced by Hebrew names following colonization. More than 80 forests and parks were renamed in Palestine to hold names of international donors & to remove the aboriginal names: Only to name three examples that took place in Palestine in 1948 & 1967: South African Forest on Lubya’s land-recently removed after protests from those South Africans who donate money to plant the forest on the debris of the demolished village….Denmark Forest on the debris of Allar village & Canada Park on the debris of  Imwas ( Imwas was one of three villages—along with Yalo and Beit Nuba—that were depopulated and destroyed during the Six-Day War. in june 1967.

Academic & Literary works also register these dynamics. The War of the Worlds by H. G. Wells reflects exterminatory logics shaped by colonial violence, including the destruction of Indigenous populations in Tasmania. Ghosh further highlights how ecological destruction was integral to these processes: between 1865 and 1883, millions of buffalo were slaughtered in North America, linking the eradication of animal life to the dispossession of Indigenous peoples. As Nick Estes notes, the destruction of buffalo and Indigenous societies was structurally interconnected.

Similarly, Heart of Darkness by Joseph Conrad exposes the violence of colonial rule in Congo , encapsulated in the enduring phrase of Kurtz: “horror horror”, “Exterminate all the brutes,” which continues to resonate in contemporary dehumanizing discourses.

Morten Thing contributes to this field through a critical analysis of the colonization of Palestine, situating it within the broader history of the “Jewish Question.” His work examines the ongoing displacement of Palestinians since 1948 and should be read alongside Three Worlds: Memoirs of an Arab-Jew by Avi Shlaim and The Hundred Years’ War on Palestine by Rashid Khalidi, which offer complementary perspectives.

Across cases—from the Americas, Australia and New Zealand to Indonesia, South Africa, and Palestine—settler colonial projects display shared logics despite differing historical justifications. Whether driven by the spice trade in the early modern period or by oil and gas extraction in the modern era, these projects reveal enduring structures of dispossession and control. The last five hundred centuries, since Christopher  Columbus reached  America in 1492 and Vasco Da Gama reached  India in 1498, repeat the same paradigm of  Colonialism with all its variations & forms, committing war crimes, rooting up the original people of their colonies, massacring millions through diseases and military attacks, enslaving people to work freely in colonial  plantations,  destroying the last remnants of the wealthy planet we have for the benefit of the very few who look only for power, dominance, control and profit, covered always with a mantle of religion, race, nation, gender & colour.

الاستعمار الاستيطاني عبر السياقات: تأمل مقارن
يتناول هذا التعليق أربعة أعمال رئيسية: الحاضر الاستيطاني الاستعماري للورنزو فيراكيني (2015)، ولعنة جوزة الطيب لأميتاف غوش (2021)، وإسرائيل، مجتمع فاشل, دوله فاشله (2023) لمورتن ثينغ، وجنوب أفريقيا، الاستعمار الاستيطاني وإخفاقات الديمقراطية الليبرالية لثيفين ريدي (2015). مجتمعةً، تتتبع هذه الأعمال أنماطًا متكررة من الاستعمار الاستيطاني عبر مناطق تشمل جنوب أفريقيا وفلسطين وجزر باندا والأمريكيتين.
يُصوّر فيراكيني الاستعمار الاستيطاني بوصفه بنيةً مستمرة تتميز بالقضاء على عوالم حياة السكان الأصليين. ويميّزه عن غيره من أشكال الاستعمار من خلال تشبيه بعمليات بيولوجية—مقارنًا إياهما بالبكتيريا والفيروسات—التي تعمل بطرق مختلفة، رغم تداخلهما في استغلال أجساد السكان الأصليين، إلى جانب السعي لإزاحتهم (ص. 26). وتشمل هذه البنية تحولات بيئية، مثل إزالة الغابات على نطاق واسع، وهيمنة رمزية عبر ممارسات مثل إعادة التسمية. وكما يجادل غوش، فإن إعادة التسمية تعمل على محو المعاني السابقة المتجذرة في المناظر الطبيعية المستعمَرة. ففي فلسطين، على سبيل المثال، تم استبدال أكثر من عشرة آلاف اسم مكان عربي—لقرى ووديان وجبال وحقول وموانئ ومدن وبلدات—بأسماء عبرية عقب الاستعمار. وحتى المتاحف البريطانية في الوقت الحاضر تزيل كلمة “فلسطين” من معروضاتها باعتبارها مصطلحًا غير دقيق، كما يدّعي بعض القائمين عليها، رغم الأدلة الأثرية القديمة التي تثبت أن اسم فلسطين استُخدم لآلاف السنين من قبل المصريين والفرس والآشوريين واليونانيين والرومان منذ القرن الثاني عشر قبل الميلاد، واستمر استخدامه حتى اليوم. وقبل ذلك كانت تُعرف باسم “رتنو”.
كما أُعيدت تسمية أكثر من 80 غابة ومنتزهًا، غالبًا بأسماء متبرعين دوليين، مما ساهم في طمس الأسماء الجغرافية الأصلية للسكان الأصليين. وتوضح ثلاثة أمثلة هذه العملية: الغابة الجنوب أفريقية التي أُنشئت على أراضي لوبيا (والتي جرى الطعن فيها لاحقًا وعكسها جزئيًا بعد احتجاجات)، وغابة الدنمارك في موقع علّار، ومنتزه كندا على أراضي عمواس—وكانت عمواس واحدة من ثلاث قرى، إلى جانب يالو وبيت نوبا، التي أُخليت من سكانها ودُمّرت خلال حرب الأيام الستة في يونيو/حزيران 1967.
كما تعكس الأعمال الأكاديمية والأدبية هذه الديناميكيات. تجسد رواية حرب العوالم لـ هـ. ج. ويلز منطق الإبادة الذي تشكّل بفعل العنف الاستعماري، بما في ذلك تدمير السكان الأصليين في تسمانيا. ويبرز غوش كذلك كيف كان التدمير البيئي جزءًا لا يتجزأ من هذه العمليات: فبين عامي 1865 و1883، ذُبح الملايين من حيوانات البيسون في أمريكا الشمالية، مما ربط بين القضاء على الحياة الحيوانية ونزع ملكية الشعوب الأصلية (ص. 68). وكما يشير نيك إستس، فإن تدمير البيسون والمجتمعات الأصلية كان مترابطًا بنيويًا.
وبالمثل، تكشف رواية قلب الظلام لجوزيف كونراد عن عنف الحكم الاستعماري في دولة الكونغو الحرة، ويتجلى ذلك في العبارات الشهيرة لكورتز: «يا للرعب! يا للرعب!» و«أبيدوا جميع الهمج». ولا تزال هذه العبارات تتردد في الخطابات المعاصرة التي تنزع الإنسانية في العالم الغربي اليوم.
يساهم مورتن ثينغ في هذا المجال من خلال تحليل نقدي لاستعمار فلسطين منذ نشأته، واضعًا إياه ضمن السياق الأوسع لـ«المسألة اليهودية» التي بدأت في أوروبا. ويفحص عمله التهجير المستمر للفلسطينيين منذ عام 1948، ويمكن قراءته إلى جانب عملين مهمين: ثلاثة عوالم: مذكرات عربي-يهودي لآفي شلايم وحرب المئة عام على فلسطين لرشيد الخالدي، اللذين يقدمان رؤى مكملة. ويُعد كتابه غنيًا للغاية ودقيقًا وموثقًا بعمق في تحليله لكيفية اقتلاع الفلسطينيين من وطنهم.
ملاحظة: (ذكر مورتن رفضَ التعويض عن 16,324,00 دونم صادرتها إسرائيل، وفقًا لتقرير لجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة بشأن فلسطين (UNCCP)؛ وكذلك رفضَ تطبيق قرار الأمم المتحدة رقم 194 المتعلق بحق اللاجئين في كلٍّ من حق العودة والتعويض؛ في حين وافقت على تعويض الألمان المسيحيين عن القرى الأربع التي صادرتها من شركة الهيكل الألمانية: سارونا، فيلهلما، بيت لحم (وليست بيت لحم المعروفة)، وفالدهايم، إلى جانب ممتلكاتهم في عكا، حيفا، يافا، والقدس. ص.105. وفي عام 1962، دفعت 54 مليون مارك ألماني لكلٍّ من ألمانيا وأستراليا تعويضًا للاجئين الذين غادروا الأرض بعد عام 1948. ص.106).

وعبر الحالات المختلفة—من الأمريكيتين وأستراليا ونيوزيلندا إلى إندونيسيا وجنوب أفريقيا وفلسطين—تُظهر مشاريع الاستعمار الاستيطاني منطقًا مشتركًا رغم اختلاف المبررات التاريخية. وسواء كانت مدفوعة بتجارة التوابل في بدايات العصر الحديث أو باستخراج النفط والغاز في العصر الحديث، فإن هذه المشاريع تكشف عن هياكل مستمرة من نزع الملكية والسيطرة. وعلى مدى القرون الخمسة الماضية—منذ وصول كريستوفر كولومبوس إلى الأمريكيتين عام 1492 ووصول فاسكو دا غاما إلى الهند عام 1498—أعادت أشكال الاستعمار المختلفة إنتاج أنماط متشابهة، معيدة تشكيل المناظر الطبيعية والمجتمعات في سعيها وراء القوة والسيطرة والربح، وغالبًا ما جرى تبرير ذلك عبر خطابات الدين والعرق والحضارة.