رواية “رسالة من طبريا موسم الثلج الحار” لمحمود عيسى: فردوس الحياة المفقودة…..Review of my novel: (Message from Tabariyya; Season of Warm Snow)

رواية “رسالة من طبريا موسم الثلج الحار” لمحمود عيسى: فردوس الحياة المفقودة…..Review of my novel: (Message from Tabariyya; Season of Warm Snow)   2013/04/17
Review of my novel: (Message from Tabariyya; Season of Warm Snow)—by Salim Najjar)…in Qabaqaosayn.
الصفحة الرئيسية ›
رواية “رسالة من طبريا موسم الثلج الحار” لمحمود عيسى: فردوس الحياة المفقودة
نشره webmaster في 04/17/2013


• عرض كتاب

سليم النجار*

” ليس صمت الحياة، هنا، هو الذي يقول الحقيقة. يقولها صمت الموت.
أيتها الحياة… لا يموت إلاّ الموت.” أدونيس.

شغلني قبل هذه الكلمات على نحو خاص تقديم الروائي محمود عيسى، والحال أن الكلام عن الكلام صعب.
كيف يمكن تقديم روائي نهل من نهر الرواية، وارتوى اللغة من بحر العذاب الفلسطيني؟…
قد يكون الأمر عسراً حين يتراهن التقديم مع التمثيل في مثيراته المهاجرة بين الثوابت الفلسطينية السياسية والتحولات الاجتماعية التي مَرّ بها الشعب الفلسطيني منذ نكبة عام 1948، وحتى كتابة رواية “رسالة من طبريا… “موسم الثلج الحار” للروائي د. محمود عيسى، الصادرة حديثاً عن “مركز صخر حبش للدراسات والتوثيق” في رام الله.
إن الحيز الفضائي في تكوينات عيسى تتعدد فيه الوحدات الروائية ،كالفراغ والنص وصورة الكتلة الاجتماعية، ومن هنا تتأتى إشكالية البحث في هذه العناصر الروائية لتفكيك وحداتها الرامزة للوصول إلى المدلول الأكثر عمقاً، والمتصل بالدلالة الفنية.
هذا التعالق الروائي بين العناصر التكوينية؛ تشكل وفق نظام تركيبي جامع لأشكال لغوية روائية، تتجدد حسب الوحدة الروائية، والتي اتخذت طابعاً إشكالياً تشاكلت بنيتها اللغوية مع البنية الروائية للغة. لغة تتراصف هياكلها للوحدات الروائية، تتكاثف، تتداخل. لتولد نسيجاً إيقاعياً بصرياً منسجماً تتناصف أنظمته الروائية بين الكتابي والمضمون.
عرض محمود عيسى نصه الروائي بمثل هذه الفقرة: [لم أستطع أن أتمالك أعصابي أمام ليلى، وقد كان للحظات يوصيني بها قبل أن يفارق الحياة من حلة رشاش 500 اخترقت صدره، وهو عائد بعد أن استطاع أن يدمر آليتين حضرتا إلى المستعمرة لتطويق مجموعة الاقتحام ، لقد كان اقتراحه أن تتم حفلة العيد في الداخل ووافقنا جميعاً على الفكرة يا أخ فسفوري”( ) ص59.
هذا التعالق الروائي يدل على طبيعة العلاقة التجاوزية بين الرواية والمضمون. فكلاهما يتحكّم في هيكلة وصياغة الحيز الفضائي الروائي، وفق اتزان بصري بالرغم من اختلاف المدركات الحسية للكتل الروائية المتناصّة. هذا التأليف التركيبي بين الهياكل الروائية، والوحدات اللغوية في النص دعّم الحركية البصرية في فضاء الرواية.
بذلك يتعامل محمود عيسى مع الموت كمكّون مهيكل للفضاء الروائي. ولعل ما قام به من تخيير بنيوي في مستوى تأطير التكوين يندرج ضمن إجرائية حديثة خالف بها المتعارف عليها في بناء الرواية الحديثة.
فلم يعد الإطار مجرد برواز لغوي للتكوين، بل غدا مساهماً في دعم توازن التركيبة، مهيكلاً للفضاء الروائي بعد أن كان دوره مقتصراً على إحاطة الكتلة الروائية وحصرها في حيز مغلق.
إن القضايا الإشكالية المطروحة في الرواية، وجدت الاهتمام الكافي (أو القراءات المقنعة) من قبل محمود عيسى في روايته، جعلته يقدم رؤيته الروائية على هذا النحو:
[ “يا شيخ كم مرة الواحد بيموت. عمر سيموت كلها تكلم عن دوريته العتيدة، ألم يخبرك كيف حاولوا القبض عليه بالبيارة؟.. هاهاها. مسكين يا عمر، كان شفناك على التلفزيون وصرت بطل مين داري فيك الآن! مرمي بغرفة بلا سقف ولا باب – قوموا انهضوا؛ قاعدين زي النساك في الغرفة، قوموا شوفوا الصبايا، ودعوهن، غداً صوركم رح تتعلق عالحيطان، على الأقل بتلاقي حدا يزعل عليك غير أمك وأبوك، قوموا ودعوا” ص 76،77.
وما انزياح الإطار الروائي إلى الداخل، إلا دليل على التخصيب الاجتماعي لتقسيم الفضاء الروائي إلى مساحات هندسية اجتماعية مهيكلة بالتناسب.. والتناسب هنا هورصد العلاقات الاجتماعية وتأليف الوحدات الروائية وارتباط الوحدات، ليمتد الإطار الروائي إلى الفضاء الداخلي. وعليه فإن تخصيب عيسى للإطار باعتباره مكوّناً روائياً، أكسبه وجوداً هندسياً اجتماعياً نوعياً من خلال التكوين المهيكل لهذه الوحدة الروائية باعتبارها، متمّما إنسانياً مقفلا لنظام التكوين الروائي. وبذلك يعيد عيسى دلالة الإطار في اللوحة الروائية الحديثة. إذ بتكوين البنية الروائية تتجادل اللغة الروائية والإطار والشكل بإتباع أسلوب إنساني.
هنا تجدد الإشارة إلى أن زج الفضاء المكاني، إلى جانب العلاقات الإنسانية أعلنت صراحة، في الرواية، وبعقل وجداني انفعالي، هذا ما رصده عيسى على النحو التالي: [ بدك تطول بالك يا عم- ايه يا دينا، غيرك بيموت وأنت خزات العين عنك بكامل صحتك، شو صابر عليك؟].
لكن الفسفوري كان غائباً عن العتمة والحوار الدائر، إنه يحيا في غيبوبة رائعة تسرى في خلايا جسمه كاملة، لقد امتدت الأيدي بطريقة عفويةً وتلامست أطراف الأصابع وتشابكت أصابع اليد الواحدة، حاول رفعها لكن اليد قومت، رفعها مرة ثانية وقبلها.
– فسفوري؛ القصف هدأ، استعد حتى نخرج.
– ارتخت أعصابه ولكن يديها ما زالت تمسك بيده بقوة وعندما تحرك قليلاً، أدركت أنه المقصود بالنداء.
شددت على اليد مرة أخرى ورفعتها بهدوء إلى شفتيها وقبلتها بسرعة، وبقيت هكذا وخصوصهاً أن اليد أنت في زاوية مظلمة من الصعب أن ترى من خلالها. ص195،196
هذه التنقيحات المفاهيمة الموصولة بين الحركات الدرامية واصلت تجلياتها التكوينية إلى تركيب الحيز الفضائي الروائي بين التأليف اللغوي، وصولاً إلى التكوين التجريدي الاحتماعي الذي تتذوب فيه أشكال القيم وتنصهر فيه الأجساد، والتي تتحول إلى أشكال هندسية، تم تكوينها بتطويع اللغة الروائية في صور درامية أساسها الأشكال الهندسية المتماسة والمتجاورة، واللغة الدرامية المنفعلة والمتشابكة والمعبرة عن تلك الأشكال، وبتناظم بصري يقسم الحيز إلى بنى حسية من حيث شكلها الهندسي والتي تمثلت بالأساس في هيئة المعاناة الفلسطينية الموشحة بالدهشة والغرابة.
لقد منح محمود عيسى منجزه الروائي البصري خصائص وثيمات فلسطينية، جعلته يتمايز عن التصنيف؛ ليس على التشكيل الروائي الفلسطيني فحسب وإنما على التشكيل الروائي العربي.
ولعل هذه التحديدات اللغوية الروائية تؤكد مشروعية ربط النسيج باللوحة الروائية. مفهوم اقتبسه الروائي من اللغة المحكية ، وحركات اللفظ ليشاكله بصناعة اللفظ المنسوب بالترويسة والحروف المنطوقة باللهجة الفلسطينية الصائتة. طرح أسسّ به عيسى لميلاد كيان روائي اجتماعي فلسطيني، يجمع بين جماليات اللهجة المحكية وأدبيات الروائي ضمن رؤية جمالية تهدف إلى استثمار كل ممكنات صور اللغة المحكية وتركيبها اجتماعياً في بنية بصرية، حيث تبدو اللغة المحكية فعلاً ومفعلاً، جذرّ به مادية الكتابة وجدليتها كجمالية روائية.
فإذا مددنا نظرنا صوب مادة الكتابة الروائية يتضح لنا أن طريقة عيسى الروائي، في تشكيل مادته، تشبه طريقة الشاعر على أساس أن كليهما يهدف إلى إحداث أقصى قدر من التناسب والتآلف والتشاكل والتناسق في صياغة مادته. الشاعر وما تقتضيه الصورة الشعرية من سبك للعبارة وبلاغة وفق تناسب لفظي بين الحروف والكلمات، وعيسى عن طريق ما أحدثه من تناسب وتآلف بين الصورة والكلمات، ليشاكل المعنى بالمبنى وذلك بمداعبته للكلمات ومضامينها وتفكيكها وإعادة صياغتها في بنية درامية قوامها التأليف والتناسخ، وتغدو الصورة اللفظية فصلاً بينهما. ومثل هذا الطرح الفني يستمد شرعيته التشكيلية من السياق الخلدوني ومثلما يقول: ” في الكتابة انتقالاً من الحروف الخطية إلى الكلمات اللفظية في الخيال. ومن الكلمات اللفظية في الخيال إلى المعاني التي في النفس، فهو ينتقل أبداً من دليل إلى دليل، من الأدلة إلى المدلولات”مقدمة ابن خلدون ص 498
لتبدو شعرية القصيدة نوعاً من التشكيل المتحرر من الضوابط البلاغية، وبذلك يتوافق إبداع عيسى الروائي مع جماليات الكتابة. وهو النص وقد أخرجه المؤلف من شاعرية المقاربات الذهنية، ليمنحه متعة جمالية قوامها الشعرية البصرية.، والتي تفوّض تصور المصطلح في اقتصاره على الشعر ليمنحه شرعية التجنيس الفني .
نجد هذا التوجه في نص عيسى الذي حاول فيه بناء هيكلية اجتماعية تشير إلى الدلالة الفنية عبر مشاكله بصرية مدروسة تركيبة وتكويناً.
[ كان الثلج يزداد تراكماً ويتراقص في السماء ويتساقط كما تشاء الرياح الهادئة البرد يتسرب إلى كل أطرافه وهو يقود رجليه باتجاه دفء لم يعهده بعد…ٍ] ص 201
إنها مقاربة جمالية يتراسل فيهاالمنحوت اللغوي من أسلوب الجناس إلى الترصيع الصوري عبر مناصر الطبيعية، ذلك أنه أعطى هيكلاً جمالياً حديثاً للحالة الاجتماعية من خلال البنية الصورية التي وسعت مثيراته اللغوية الروائية، فكانت بذلك نظيراً للبنية الاجتماعية التي ميزت التجربة النضالية الفلسطينية.
لقد نوّع عيسى في اختياراته النصية تصميماً وتطويراً، فكرة وكتابة، ذلك أن نشوءها اقترن بمعادلة اجتماعية قوامها تصوير حركات المقاتلين الفلسطينيين والذين يتحركون على غير علم منا ومنه على حد سواء. لذا كانت خاتمة الرواية على الشكل التالي: [ لقد نسيت المشي والركض وعدت تحبو كالأطفال الغد، ولن تجرؤ على الاقتراب من السلالم العالية، لأنها تطيح بك، تلقيك فريسة الزغاريد والميجنا
ص 242.
محمود عيسى لا يمثل فن الروائي الفلسطيني بل الثقافة القيمة في الكتابة. كتابة يُنسج فيها المعنى فكرياً بخامات لغوية، حيث تبدو الكلمات كأنها فيض لنسيج الفكر الروائي، وكأن عيسى يخطها بالقلم، ثم يعيد نسجها باليد.

* أديب من الأردن.

• لماذا قاب قوسين
• متابعات
• نصوص
• أخبار
• مقالات
• غاليري
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة قاب قوسين 2012 – 2010
تصميم وتطوير Sync Jo

editor@qabaqaosayn.com

 
 
 

Skriv et svar