Yusef al-Yusef (1938-2013) on Kanafani Novels

http://www.alquds.co.uk/?p=599151

(…) نملك الآن أن نؤكد حقيقة مفادها أن بنية واحدة تنظم معظم روايات غسان، ومحتوى هذه البنية أن الرواية تسير من عقدة الذنب والشعور بالقصور نحو حل العقدة بالتضحية والمواجهة، تماماً كما لو كان يمارس طقساً دينياً يقوم على افتداء الإنسان بالأضحية، وهو طقس ينطوي على التطهر بالدم الحيواني. بل ويمكننا أن نلاحظ ما فحواه أن خط سير غسان كله كان ينطلق من رواية مجمل مضمونها هو الإدانة والتقصير وعقدة الذنب (إذ روايته الأولى لا تحتوي إلا على ذلك وبالدرجة الأولى) نحو رواية مجمل مضمونها هو التضحية كتطهر وتنظيف للنفس مما يضايقها. وفي هذا الاتجاه نلاحظ أن غسان لا يتعامل مع الجزئيات اليومية الدقيقة والصغيرة، أي هو لا يصف تفاصيل الشروط المعيشية والواقعية ليبين مدى مسؤولية هذه الشروط عن بؤس أبطاله، بل نراه يتعامل مع الوضع القائم مرفوعاً إلى آفاق التجريد ومأخوذاً كمجمل. ويصدق هذا القول بشكل خاص على رواية «ما تبقى لكم»، حيث نرى أن الكارثة في المنفى لا تتوقف عند كونها حادثة غيرت تاريخ شعب، بل تتحول إلى سقطة فردية أيضاً، وتتحول إلى كارثة تصيب كل الأفراد بأعيانهم، وتتجلى على هيئة وعي مصدوع ومهشم. إن سقوط مريم الشخصي هو من نتاج سقوط شعب، أو من نتاج سقوط يافا على حد تعبير الرواية. وبهذا تغدو الشخصية خاصة وعامة في آن معاً، أي هي نفسها تجسيد لتاريخ شعب، أو نتاج لتاريخ شعب.
إن أبطال غسان دوماً يعكسون الروح أثناء تطوره في التاريخ، ويعبرون تعبيراً أميناً عن كل مرحلة من مراحل تاريخ الشعب. وفي خدمة هذا الترابط القائم بين العام والخاص، والقائم كذلك فيما بين الشخصيات، فقد جاءت التقنية في «ما تبقى لكم» محققة لتراكز أنسجة الحدث، أي اعتماد معنى اللحظة الواحدة على معاني سواها من اللحظات بقدر ما يعتمد معنى سواها عليها. ويتوافق هذا التراكز مع نهاجية الاسترجاع الخلفي (فلاش باك) الذي تتداعى المعاني بواسطته وتتآلف. وبهاتين الوسيلتين، التراكز والاسترجاع، يتحقق الانسياب المتدفق لتيار الشعور.
وتؤكد المجزوآت الثلاثة الأخيرة أن غسان كان يتطور باتجاه تعميق الرواية الفلسطينية الموضوع، وذلك من خلال استحداث أشكال جديدة، وكذلك من خلال تأسيس لغة روائية تتصف بقدرتها على حمل المعاني العميقة، وبتماسها بقطاع اللغة الشعرية. يؤكد بعض كبار النقاد أن من بين العوامل التي أسهمت في تعظيم الروايات الكلاسيكية هو أن كل واحدة من تلك الروايات تعتمد في بسطها لمضامينها على أسلوبين في آن معاً. أحدهما وصفي أو تقريري، وثانيهما شاعري أو خيالي. والحقيقة أن روايات غسان كانت ستتجه نحو هذا الوضع لو أنه لم تتخطفه يد المنون.
وربما كان المجزوء الذي يحمل عنوان «العاشق» هو العمل الذي كان سيقدر له أن يغدو أعظم رواية فلسطينية على الإطلاق. وما ذلك إلا لأنه كان سيتطور باتجاه ملحمة تراجيدية فحسب، بل لأن غسان قد امتلك فيه القدرة على الصوغ العميق للشخصيات. فهو يوفر للبطل من الفرص ما يجعل منه اسماً عظيماً. وأهم ما نلاحظه هو أن الكاتب يقوم ببسطه عبر الحوار أو عبر تدخلات المؤلف. وهذه خطوة جبارة قام بها غسان، لأنها تأخذ بالحسبان أن الفعل هو إخراج الوعي على هيئة موضوع. أضف إلى ذلك أن ما يطغى على الشخصية هو الصراع مع الواقع. وعلى الرغم من وجود صراع مع الذات، وهو ضرورة ماسة لكل رواية عظيمة، فإن النوع الأول من الصراع أكثر هيمنة. وفي ظني أن هذا مبدأ أساسي في الروايات القادرة على اجتذاب القارىء. وقد استطاعت رواية «العاشق» أن تؤسس المبررات الموضوعية لكل حالة من حالات الذات، ولكل صراع مع الذات. بل ويبدو أن هذه الحالات والصراعات الداخلية ستلعب دوراً هاماً في تطوير الشخصية.
وفي قلب موضوعة كل رواية من روايات غسان يكمن العنصر الاجتماعي أو التاريخي. وهذا يعني أن الكاتب يعمد دوماً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى تبيان السبب الذي من أجله تقدم الشخصيات على الفعل أو تحجم عنه. والحقيقة أن تفاعلنا مع شخصياته يتوقف على القدر الذي تعكس به إنسان البيئة، وعلى القدر الذي تتفاعل به مع هذه البيئة. وبذلك تواظب رواياته على سبر الواقع وارتياد مجاهله واكتشاف ما استتر منه، أو تعميق استيعاب ما هو مكتشف بحيث يغدو أشد نصوعاً من ذي قبل. فنحن نلاحظ أن «الأعمى والأطرش»، التي لا تكشف عن جديد في الواقع الفلسطيني، تستطيع أن ترسخ فينا وعي القهر والشعور بالتمزق وأن تعمق وتوسع مثل هذه الحال الداخلية.
فالرواية الكنفانية تبرز الظاهرة المراد دراستها بحيث يأتي حضورها امتلاء كاملاً يضغط على حواس القارىء ضغطاً يشعره بوجود الظاهرة الحقيقية أو الواقعية الكامنة وراء الحدث الروائي. فالتعامل مع العلاقات والحالات الأكثر سواداً في الواقع الفلسطيني هو الذي يمكن روايات غسان من حيازة الضواغط التي تشد على شعور القارىء بحيث لا يمكنه إلا أن يحس بالموضوع المدروس. وكيما يتيح لنا غسان الفرصة للنظر في نفسية الشخصية وجسّ أمراضها، فقد هيأ لنا الفرصة للنظر عبر مرايا حوارية وحدثية ووصفية تطلع علينا الشخصيات من خلالها وهي تحمل بعض القسمات الواضحة والكثير من القسمات الإلماعية المتروكة لتحليل القارىء. ولقد عرضت هذه المرايا على هيئة مواقف ضمن سياق النص بحيث لم تخلّ باتساقه المتناغم وتساوقه شطر الغاية المصممة.
إن بطلاً معيناً يعدّ متكامل الأبعاد وعميق الشخصية بمقدار ما يعكس الخصائص العامة لواقع معين. كما أن رواية ما تُعد ناجحة بمقدار ما تعكس تصورات الأفراد لمجمل معاشهم. والحقيقة أن قدرة أبطال غسان على حمل السمات النفسية للواقع الفلسطيني، أو للإنسان العربي الفلسطيني المهزوم، ومن ثم الناهض، وكذلك قدرة رواياته على استيعاب جملة الخصائص الموضوعية لهذا الواقع نفسه، إن هاتين القدرتين هما العاملان الحاسمان في جعل رواياته أعمالاً فنية جبارة.
وفي ظني أن غسان العظيم كان سيغدو اسماً عالمياً لامعاً، اسماً يتخطى جدار الوطن العربي ليغدو جزءاً من ثقافة الإنسانية، لو لم تتلقفه أيدي الاغتيال وهو في المرحلة الأولى من مراحل نضجه.

من «غسان كنفاني: رعشة المأساة»، 1985

ناقد المثال والمثالية

منذ أواسط السبعينيات، وباندفاع أمضى وأنضج وأكثر عناداً بعد صدور كتابه الاختراقي الممتاز «مقالات في الشعر الجاهلي»، جاهد الناقد والمترجم الفلسطيني (1938-2013)، في سياق ما يشبه حملة رسولية مشبوبة، من أجل الانتصار للمثال الأعلى ــ الصافي والراقي والمتسامي والمتعالي ــ في ما يعتبر أنه جوهر «الشعر العظيم». والأرجح أنه كان بين آخر الفرسان الكبار، النبلاء، المنتمين إلي مدرسة في التحليل النقدي لا تري غضاضة في إعلاء شأن المثال والمثالية في النموذج الشعري؛ ولعلها أيضاً ــ وهذا تفصيل هامّ واستثنائي في آن ــ لا تخضع البتّة لمختلف ضروب «الإرهاب» الفكري، القدحي والتشهيري والابتزازي، الذي نجح في إسباغ سمة الفوات التاريخي المطلق على التيّارات المثالية.
وكان اليوسف مثالياً، وباعتزاز شخصيّ جدير بالانتباه والاحترام، ليس في ما يتّصل بمنهجيته المفتوحة في قراءة النصّ الشعري قديمه وحديثه، فحسب؛ بل ظلّ مثالياً، أيضاً، في دفاعه عن سلسلة مصطلحات تخصّ الروح والوجدان والذائقة والقيمة وحكم القيمة والمعيار والخيال وحرية الخيال. وهو لم يتلعثم البتة، بل إنه توقّد يقيناً وانحيازاً، حين كتب مثلاً: «الجرعة الوجدانية هي العنصر اليخضوري الفعال في تحديد قيمة النصّ الأدبي»؛ و«الحميم هو المحتوي الأوّل لكلّ أدب عظيم»؛ و«النصّ البكر لا ينتجه إلا عصر بكر، أو طور تاريخي لم يرضخ بعد لشيخوخة الروح. وفي صلب الحقّ أن عصرنا الراهن لم تعد له أية بكارة، مهما تك نسبتها، ولهذا فلست أحسبه شديد القدرة علي إنتاج الكثير من الأدب الأصيل»!
بين أبرز أعماله: «مقالات في الشعر الجاهلي»، «الغزل العذري»، «بحوث في المعلقات»، «الشعر العظيم»، «الشخصية والقيمة والأسلوب»، «مقدّمة للنّفري- دراسة في فكر وتصوف محمد بن عبد الجبار النفري»، «ابن الفارض»، «فلسطين في التاريخ االقديم»، «القيمة والمعيار»، «الخيال والحرية»؛ فضلاً عن ترجمة متميزة لمختارات من شعر ت. س. إليوت.