Our First Volume of PaHH(Palestine History & Heritage Project)-Routledge, London & New York, 2019

20 different scholars from different disciplines are contributing to our first volume (out of 10 expected).-covering four major parts: Historiography-Ethnicity, Geography,&Politics-Landscape, Archeology &Memory-Ideologies of the land.

My article on Oral history’s credibility , role and functionality from Arab Islamic tradition to modern historiography  PP 125-140:

Article on Oral History pdf 

To reserve the book: https://www.routledge.com/Copenhagen-International-Seminar/book-series/COPSEM

خزعل الماجدي بعنوان «أنبياء سومريون ـــــ كيف تحول عشرة ملوك سومريين إلى أنبياء توراتيين؟ » Alaa alLami comments on al.Majidi book: How Somarian kings became Tora¨s prophets

خزعل الماجدي: ملوك سومريون أم أنبياء توراتيون؟

 

 

 

عن دار «المركز الثقافي للكتاب» في الرباط وبيروت، صدر كتاب جديد للباحث العراقي في «الرافدينيات» خزعل الماجدي بعنوان «أنبياء سومريون ـــــ كيف تحول عشرة ملوك سومريين إلى أنبياء توراتيين؟». هذا الكتاب مهم لناحية موضوعه، وجريء في طريقة تناوله بعلمية ومنهجية دقيقة، فهو يتناول موضوعاً شديد الحساسية بسبب انغراسه عميقاً في المقدس الديني في الديانات الإبراهيمية الثلاث، والمقدس التوراتي خصوصاً. وهو ما أشار إليه المؤلف في مقدمته بقوله إن كتابه «يكسر عند الناس واحداً من أكبر التابوهات التي تخص بداية ظهور الإنسان وظهور الأنبياء الأوائل». والتابو الذي يقصده الكاتب هو ذاك الذي يغطي موضوع أصول الديانات السماوية، وقضية خلق العالم والإنسان وجذورها الأسطورية في عصور ما قبل الطوفان، وكيف قدمتها الديانات السماوية الثلاث الأكبر لاحقاً. فقد ساد اقتناع أولي، مع بدايات الكشوفات الآثارية الأركيولوجية في بلاد الرافدين، بأنها ذات أصول رافدينية سومرية انتُحِلَت أو انتقلت بطريقة التناص إلى السردية التوراتية اليهودية، ومنها انتقلت لاحقاً إلى الديانتين الإبراهيميتين الأخريين المسيحية فالإسلام. لكن الماجدي يحاول أن يفكك ويوضح ـــ مستعيناً بما يقدمه علم الآثار الحديث من أدلة مادية ـــــ تفاصيل وجذور تلك الأصول الرافدينية السومرية، ليستنبط منها لاحقاً آليات تكوّنها وانعكاساتها وانتقالاتها من سردية إلى أخرى. إن الهاجس الموضوعي والانشداد إلى المقاربة الدقيقة للحقيقة هو ما يحفظ المؤلف من الانزلاق وراء تقديم أحكام باترة وقاطعة. وهذا ما نجده غالباً في كتاب الماجدي، فهو يتوخّى الدقة ونقل الرأي المخالف، ليصوغ، من ثمَّ، خلاصاته واستنتاجاته بحذر ودراية وبلغة متسائلة، شكاكة، بعيدة عن القطع في أمور لا يجوز القطع فيها.

 

إن موضوع المقارنة بين السردية الرافدينية والأخرى التوراتية ليس جديداً. فقد طُرِحَ في الثمانينات من القرن التاسع عشر من قِبل وينكلر وعلماء مدرسة «توراة بابل» الذين قالوا إنّ «معظم حكايات العهد القديم وخصوصاً أسفار موسى الخمسة، هي انعكاس للأدب المسماري «الرافديني»». لكن ماير، زميل وتلميذ العالم الشهير ويلهاوزن، رفض ذلك وقال إن تلك الحكايات التوراتية «كانت في الأصل مرويات شفهية ومجموعات من القصص المؤلفة من الحكايات الشعبية والأساطير والملاحم» (طومسون 12). ثم تناول تلك العلاقة بالدراسة والعرض والتمحيص باحثون عرب وأجانب آخرون من بينهم الباحث العراقي الراحل فاضل عبد الواحد في كتابه «من سومر إلى التوراة» سنة 1989، ولكنه لم يتوقف تحديداً وبالتفصيل لموضوع العلاقة بين ملوك سومريين وأنبياء توراتيين لعصور ما قبل الطوفان. كذلك قارب هذا الموضوع الباحث فراس السواح في كتابه «مغامرة العقل الأولى» سنة 1976، لكنه اكتفى بحشد كمٍّ مهم من النصوص الرافدينية ذات العلاقة بالنصوص التوراتية، تاركاً مهمة المقارنة والتحليل والخروج بالاستنتاجات الحاسمة للقارئ! ومن الباحثين الأجانب ألّف فردريك ديليتش كتابه الشهير «بابل والكتاب المقدس» الذي ترجم إلى العربية سنة 1987، وهو كتاب مفيد فعلاً، ولكنه مضطرب من الناحية العلمية وينحو نحواً إنشائياً أحياناً، فينتهي إلى استنتاجات ذاتية الطابع ثم إنه لم يكن دقيقاً في طريقته في الاقتباس من الكتاب العبري المقدس كما في نقله المبتور لوصف بابل كما جاء في سفر إرميا. 
لعل أهم ما يتميز به كتاب الماجدي هو أنه يذهب مباشرة وعميقاً إلى موضوع تلك العلاقة التي يسميها «الينبوع الثيولوجي» للسرديات الدينية، فيضعها تحت نور البحث التحليلي مخصصاً كتابه برمّته لها ولتفاصيلها وجزئياتها وتداعياتها.
اعتمد الماجدي في تأليفه كتابه استراتيجية تأليفية شديدة الدقة والوضوح، وهذا ما يجعل الكتاب في متناول فهم القارئ الأكاديمي المتخصص وغير المتخصص، رغم تعقيدات الموضوع المدروس وغموض مراجعه الرافدينية، إضافة إلى المتعة الحقيقية التي يقدمها للقارئ الشغوف بالتاريخ والمثيولوجيا.
الفكرة الجوهرية الرئيسية التي ينهض عليها الكتاب، هي محاولة رصد وتفسير أوجه التشابه البالغ أحياناً حدَّ التطابق في التفاصيل بين ما قدمته الكتب الدينية اليهودية وخصوصاً التوراة وأسفارها الخمسة من سردية روائية ورؤيوية لعشرة من أنبياء بني إسرائيل لعصور ما قبل الطوفان وبين ما قدمته السردية السومرية السابقة لها بقرون عديدة والمدعمة بالأدلة الآثارية «الأركيولوجية» القاطعة من تفاصيل تتعلق بعشرة من الملوك السومريين للفترة السحيقة. وينال موضوع الخلق الأول للعالم وأبي البشر الأول «آدم التوراتي» المقابل لـ«ألوليم السومري» وموضوع الطوفان ذاته وبطله «نوح التوراتي» المقابل لـ«زيوسودرا السومري». 
الأنبياء «الآباء» التوراتيون العشرة الذين يؤثل لهم الباحث هم: آدم، شيث، أنوش، قينان، مهللئيل، يارد، أخنوخ، متوشالح، لامك ونوح. وبعد مقارنات وتحليلات معقدة ولكنها معروضة بشكل واضح ورصين، يضع الماجدي جدولاً بالملوك السومريين العشرة المقابلين لهم، وهم: ألوليم، ألكار، إينمن لو أنا، إينمن كال أنا، ديموزي سيبا، أنسيبازي أنا، إنمين دور أنا، أوبار توتو، شكور لام، وزيوسودرا الذي يحمل باللغة الأكدية في العصر البابلي اللاحق للسومري اسم «أتونبشتم» صانع الفُلك للنجاة من الطوفان والذي يقابل في الدور والصنيع نوح التوراتي. وفي موضع آخر من الكتاب، يناقش المؤلف مؤيداً وجهة نظر أخرى حول آدم التوراتي ويقول إنه هو نفسه «ديمو- زي» الإله المتحول إلى بشر ــ والكلمة تعني «الإنسان المرتفع أو العالي» ـ ملاحظاً القرب الصوتي بين لفظتي آدم وديمو. 
ينتظم الكتاب في ثلاثة أبواب، يضم الأول ثلاثة فصول حول كتب الديانة اليهودية وأسفارها. وهو باب مهم يقدم لوحة مبسطة لشبكة الكتب اليهودية المعقدة والمتداخلة. وفي الباب الثاني، يناقش المؤلف ويحلل على امتداد 12 فصلاً «حقيقة آباء وأنبياء ما قبل الطوفان» عارضاً سرديات 12 نبياً توراتياً هم موضوع المقارنة والمطابقة مع عشرة ملوك سومريين، بادئاً بآدم «الأب الأول»، ومنتهياً بآخر أنبياء ما قبل الطوفان نوح. وفي الباب الثالث والأخير وعنوانه «آلهة وملوك»، يضع الباحث خلاصة جهده واستنتاجاته في فصلين مهمين.

«آدم» هو المقابل لـ «ألوليم السومري» و«نوح» مقابل لـ«زيوسودرا السومري»

يقدّم كتاب الماجدي محاولة جدية وواعدة لملء الحلقة المفرغة التي تدور فيها الأبحاث التاريخية والتوراتية والإناسية «الانثروبولجية» وعلم الإلهيات «الثيولوجية» وعلم اجتماع الأديان حول حقيقة الفراغ الكبير واللاتارخانية التي تسم الرواية التوراتية المدونة سواء في نصوص الملك يوشيا (641 ق.م – 609 ق.م) قبل سقوط يهوذا، أو من قبل عزرا الكاتب (480 ق.م – 440 ق.م) العائد من بابل بمعية نحميا، حول ما ترويه عن عصور ما قبل تدوين التوراة نفسها، نزولاً إلى عصر ما قبل الطوفان، وعن السر والسبب الحقيقي الذي يجعل القصص التوراتي متطابقاً هذا التطابق المذهل مع القصص الرافديني الوثني والمؤكد بالأدلة الآثارية الملموسة، آخذاً في الاعتبار الأسبقية التأريخية للنص الرافديني على التوراتي بقرون عديدة. ولهذا سيشكل هذا الكتاب إضافة مهمة وجديدة لعلم أساطير نشوء الإنسان، الأنثروبوغونيا ( ANTHROPOGONY). 
صحيح أن إجابات الماجدي ليست مباشرة لأنها تنتمي إلى البحث المنهجي العلمي، وليس إلى الإنشاء المسبق المُحْتَكِم إلى الظنون، وصحيح أنها ليست الأولى في هذا الميدان ولكنها الأكثر دقة والأعمق تحليلاً وتنظيماً. في نهاية كتابه، يَعِدُ الماجدي قراءهُ بكتاب ثانٍ في هذا الباب، يرصد فيه آباء وأنبياء آخرين، توراتيين ورافدينيين، لعهود ما بعد الطوفان، ليستكمل بذلك ما بدأه في هذا الكتاب. إنه كتاب مهم وجدير بالقراءة العميقة والمنتجة لنقود خلاقة تفتح باب البحث على مصراعيه في هذا الميدان وعلى أرض حوادثه وسردياته الأصلية ذاتها في بلاد الرافدين. جدير بالذكر، أن الباحث الماجدي قدم للمكتبة العربية قبل عامين كتاباً مرجعياً ومهماً في بابه، عنوانه «علم الأديان… تاريخه مكوناته مناهجه أعلامه حاضره ومستقبله» وقد صدرت طبعته الثانية قبل أسابيع قليلة. 

*كاتب عراقي

 

Urshaleem-alQuds in Bronze Age: Name & Identity- by Alaa Allami

 

 

أورشليم القدس في العصر البرونزي الاسم والهويّة

 

 

 
أورشليم القدس في العصر البرونزي الاسم والهويّة
المدينة القديمة – القدس المحتلّة (من الويب)
 
يعتبر الوضع الحقيقي لما كانت عليه منطقة ومدينة أورشليم ــــ القدس في العصر البرونزي، والعهد الأول من العصر الحديدي، واحدة من أكثر قضايا التاريخ الفلسطيني أهمية وخصوصية وتعقيداً لدى الباحثين المتخصصين بالتاريخ القديم وعلم الآثار «الأركيولوجيا» والعلوم الأخرى القريبة منهما. وقد تأتّى ذلك من أن الرواية التوراتية أنشأت لنفسها ركائز تسلطية قوية، مبنية على مزاعم لا تأريخية حول دور العبرانيين، بني إسرائيل، اليهود ــــ على ما بين هذه الكلمات من غموض وفروق جوهرية في المضمون ــــ في هذه المدينة المقدسة اليوم لدى معتنقي الديانات الإبراهيمية الثلاث. وقد نجحت تلك الرواية الدينية التوراتية، خلال القرنين الماضيين، في أن تجعل من سرديتها نصاً تاريخياً رئيساً معترفاً به، ومعه جعلت التاريخ الفلسطيني العام هامشاً تابعاً ومكمّلاً، على العكس مما هو عليه واقع الحال، حيث تبقى السردية التوراتية هامشاً صغيراً في السردية الفلسطينية الألفية الأشمل.

وبالتالي، فقد نجحت ــــ السردية التوراتية ــــ في أن تسود، وتتحول إلى قناعة مهيمنة لأسباب عدة، منها قوة التضليل والتزوير الاستشراقي، وخصوصاً لدى اليهود والمسيحيين الصهاينة من البروتستانت إلى درجة بالغة الضلال والجهل، ومنها أيضاً تخبط وقلة كفاءة الخطاب التاريخي والإعلامي العربي والفلسطيني للأسف. لقد بلغت الفعالية التضليلية والتزويرية الصهيونية ذروتها مع الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب، الذي لا يختلف كثيراً عن زملائه الرؤساء من حيث جهله المدقع بحقائق التاريخ القديم والحديث، والذي بادر إلى الاعتراف بأورشليم ــــ القدس عاصمة لدولة الكيان الصهيوني «إسرائيل» لأنها كما قال مدينة بناها اليهود وسكنوها! في حين أن التوراة نفسها لا تقول ذلك، بل تعترف في مواضع عديدة بأن المدينة يبوسية، بناها وسكنها اليبوسيون وقومهم الكنعانيون وهم من سمّوها بهذا الاسم، ولا علاقة تأسيسية لها بالعبرانيين أو بني إسرائيل القدماء شبه المنقرضين؛ لا لناحية تأسيسها ولا لجهة تسميتها أورسالم أو أورشاليم، أورشليم ولا من حيث ديانة سكانها وهويتهم الإثنية قديماً وحديثاً.

من المؤسف، على الجانب المقابل من المشهد، أن هناك من العرب المعاصرين، باحثين وكتّاباً ومواطنين عاديين، يجهلون حقيقة اسم «أورشليم»، يتحرجون من ذكره ويرفضون استعماله بمفرده أو إلى جانب اسم القدس المعاصر العربي، ظانين خطأً أن «أورشليم» اسم عبري أو يهودي أو إسرائيلي، وما هو كذلك، بل هو اسم كنعاني جزيري «سامي» أطلق على المدينة قبل ظهور العبرانيين في المشهد التاريخي الشرقي بأكثر من ألف عام، كما سيأتي بيان ذلك مفصلاً في عدة مواضع من هذه الدراسة. فأول ذكر للعبرانيين ــــ إذا افترضنا جدلاً صحة التفسير القائل بأنهم هم أنفسهم الخابيرو أو العابيرو ــــ قد ورد ذكرهم لأول مرة في التاريخ سنة 1369 ق.م، في إحدى رسائل تل العمارنة خلال هجومهم على شكيم، فإن أورشاليم القدس الأولى كانت قائمة خلال الألف الثالث ق.م.

إنَّ من الباعث على الأمل وجود بداية ليقظة في هذا المضمار في السنوات القليلة الماضية بين بعض الكتّاب والباحثين العرب عبّرت عنها أصوات عدة. من ذلك مثلاً ما كتبته منال زيدان ــــ من «مركز يافا للدراسات» ــــ تحت عنوان «أورشليم «القدس» اسم عربي كنعاني». ورغم تحفّظي على اعتبارها الكنعانيين عرباً كما تقول الصيغة الصحافية الشائعة، فالصحيح علمياً من الناحية الإثنية والأنثروبولوجية «الأناسية» هو أن الكنعانيين واليبوسيين والأموريين والعرب والأكديين جزيريون «ساميون»، ولكنني أتفق مع جوهر ما عَنَتْهُ الكاتبة من أن اسم «أورشليم» لا علاقة له بالعبرانيين أو الإسرائيليين القدماء، وبالتالي لا حرج أبداً من استعمال هذا الاسم الجزيري الكنعاني؛ بل الحرج هو من التردد في استعماله وتركه للإعلام والسردية الصهيونية غنيمة باردة تم التنازل عنها عربياً.

تدعم الكاتبة زيدان رأيها بحجج تاريخية منها أن «أقدم أثر لاسم أورشاليم، يحمل اسم مدينة أوروسالم إلى الفترة ما بين 2000 ق.م – 1900ق.م، وقد عثر على قطعة أثرية عام 1926م وعليها نقش أورشليم، ويظهر الاسم مرة أخرى في إحدى الرسائل التي تم اكتشافها ضمن مجموعة من الألواح عام 1887 في تل العمارنة في مصر الوسطى» («دنيا الوطن»، عدد 2017/05/11)، وكما ذكرنا، فهناك تاريخ أقدم من ذلك لنشوء أورشليم القدس الأولى باسمها الجزيري «السامي» هذا: أورشاليم.

باحثون وكتّاب ومواطنون عاديون يجهلون حقيقة اسم «أورشليم»، يرفضون استعماله ظانين خطأً أن «أورشليم» اسم عبري أو يهودي أو إسرائيلي

تؤكد الأركيولوجيا عبر دراسة طبقات الأرض هذا المعنى بخصوص القدس القديمة. ويعتقد الباحث العراقي خزعل الماجدي في كتابه المهم «تاريخ القدس القديم» أن بُناتَها الأوائل هم الأموريون، مستدلاً على ذلك من «بقايا الفخاريات المصبوغة وقواعد الأعمدة والسقوف؛ والتي عثر عليها في موقع القدس القديمة، وتعود الى الألف الثالث قبل الميلاد كما أكد باحثون؛ من بينهم شيلوح وباركر ومانكلستر» (ص 72 وما بعدها). وهذا يعني ــــ من وجهة نظر الماجدي ــــ أن القدس بُنيت مع بداية العصر البرونزي، أي قبل مجيء الكنعانيين واليبوسيين… وأنها، على الأرجح، كانت أمورية البُناة والهوية، قبل أن يصل اليبوسيون الى منطقة التلال الوسطى في فلسطين وبعدهم وصل الكنعانيون وأعادوا بناءها. أما أول إشارة إلى اسم المدينة بصيغة «روشاليموم» في أثر مادي، فقد وردت في نصوص اللعن التي تعود إلى عهد الفرعون سيزوستريس الثالث (1878 – 1842 ق.م)، كما يقتبس الماجدي عن كارين آرمسترونغ في كتابها «القدس مدينة واحدة، عقائد ثلاث». يُسهب الباحث الماجدي بخصوص اسم أورشليم، ويعرض لقرائه جدولاً مهماً عن تطوراته وتحولاته واشتقاقاته على الصفحة 92 من كتابه، ومنه نفهم أن اسم «أورشليم» مرَّ بعدة مراحل وهيئات لفظية، نذكر أهمها الآتي:

● أورشليم ــــ في آثار من مملكة إيبلا.

● أورسالم ــــ في ألواح أكدية من العراق القديم.

● يوروشاليم ــــ في نصوص الطهارة من مصر.

● أوشاميم، في نصوص اللعنات ــــ من مصر.

● أوشاليم ــــ مصر، أورساليمو ــــ أموري.

● شهر شلايم ــــ في ألواح أوغاريت.

إضافة الى أربعة أسماء أخرى، وجدت في رسائل تل العمارنة يُعَتقد أنها أطلقت على أورشليم القدس، رغم أنها بعيدة لفظاً عن أورشليم. ويخلُص الماجدي إلى أن «أغلب أسماء القدس في العصر البرونزي دارت حول «أورشليم»» (ص 92). ويستدرك مرجحاً أن «أقدم اسم معروف للمدينة، وقد يكون سابقاً على كل هذه الأسماء، هو اسم «منورتا» الذي يوحي باسم سامي آرامي يعني «الشمعة أو الضوء»…» ثم يعود الباحث ويرجح أن هذا الاسم ربما كان أمورياً وليس آرامياً بناءً على تحليلاته اللغوية التاريخية، ويمكننا أنْ نلحظ هنا القرب اللفظي الحروفي بين مفردة «منورتا» الآرامية التي تعني الشمعة أو الضوء وشقيقتها «منورة» العربية الحية المُحيلة الى المعنى ذاته. وكانت آرمسترونغ في كتابها «القدس مدينة واحدة، عقائد ثلاث» (ص 28)، قد رجّحت أن تكون ترجمة مفردة «يروشاليم» الحرفية هي «شاليم هو الذي وضع الأساس» وتضيف «ففي العالم القديم بالشرق الأدنى والبحر المتوسط، كان الناس يعتبرون أن الاستيطان والتخطيط من الأعمال الربانية»، أما شاليم فتعتقد أنه «هو نفسه الشمس الغاربة أو كوكب المساء».

في الإعلام الصهيوني

بعيداً عن رصانة البحث العلمي لدى المتخصصين، نجد أن الإعلام الصهيوني في دولة «إسرائيل»، قد ركز جهوده على عدد من خطوط الدفاع السطحي، وحاول القيام بعدة محاولات هجومية مضادة بائسة على صعيد نفي الصلة بين شعب فلسطين اليوم، سواء كانت الملايين التي ظلت مقيمة ومتشبثة بأرضها أو الأخرى المقتلعة منها والمهجَّرة إلى مخيمات اللجوء، وبين أسلاف هذا الشعب ومدينته أورشليم القدس، سواء كان هؤلاء الأسلاف القدماء كنعانيين أو «فلسطينيين» أو غيرهم من الأقوام الجزيرية السامية والبحرية التي عاشت واندمجت في فلسطين، طوال قرون عديدة، وصولاً الى الموجة الجزيرية «السامية» الأخيرة الشاملة بعد الفتح العربي الإسلامي قبل أكثر من أربعة عشر قرناً متواصلاً، والتي انتهت بإضفاء انسجام إثني كبير على الموجود الأنثروبولوجي والتشكّل الإثني الذي لم يسلم تماماً من تداعيات الحروب والغزوات والهجرات السابقة للفتح العربي الإسلامي في القرن السابع الهجري واللاحقة له.

إن هذا الحراك الأنثروبولوجي والإثني البطيء، والذي استغرق أكثر من أربعة عشر قرناً، لم يقتصر على فلسطين؛ بل حدث في جميع أقطار المشرق العربي شمال الجزيرة العربية، وخصوصاً في بلاد الرافدين وبلاد الشام؛ بل عبر سيناء نحو الشمال الأفريقي حتى ضفاف الأطلسي غرباً، وأعاد نسج الفَرْشَةِ الأنثروبولوجية والإثنية لشعوب المنطقة مجدداً، وبهذا القدر من العمق والتماسك أو ذاك.

ولعلّ من أكثر النصوص التي كتبها إعلاميون «إسرائيليون» إثارة للسخرية هو تلك المقالة العجيبة التي نشرها نداف شرغاي في صحيفة «إسرائيل اليوم» في 7 شباط (فبراير) 2014 تحت عنوان رنّان يقول «محاولة فلسطينية جديدة لتزوير التاريخ!»، يذكر فيها الكاتب عدداً من الأمثلة التي يحاول من خلالها نفي وجود أي صلة بين الفلسطينيين وأسلافهم الكنعانيين. ومن هذه الحالات ــــ الأدلة المضحكة يطرح شرغاي الآتي «خذوا على سبيل المثال السيدة سلمى فيومي من سكان كفر قاسم، التي عرضت بفخر كبير طعام «الكُشري» وبيّنت الطاهية من كفر قاسم قائلة: «جاءت عائلتي من مصر من الفيوم، وأنا سلمى الفيومي جئت من الفيوم».

أما المثال الثاني الذي يعرضه شرغاي فهو بخصوص السيد فتحي حماد وزير الداخلية في حكومة حماس في غزة، الذي طلب مساعدة مصرية أثناء العدوان الصهيوني العسكري الدموي على قطاع غزة (آذار 2012)، وقال كما يروي شرغاي إن «نصف عائلتي من جهة شخصية من مصر. فأين رحمتكم؟ وإن أكثر من ثلاثين عائلة في قطاع غزة تسمى المصري وإن نصف الفلسطينيين هم مصريون ونصفهم الآخر سعوديون». تصوروا هذا الاكتشاف العجيب: وجود سيدة فلسطينية من أصول مصرية وثلاثين عائلة من الأصول ذاتها في قطاع غزة الذي يقترب عدد سكانه من مليوني نسمة! أما العبارة التي ينسبها شرغاي إلى فتحي حماد من أن نصف الفلسطينيين مصريون والنصف الآخر سعوديون فهي أكثر سطحية وتناقضاً من غيرها، بل إن الجزء الأول من كلامه عن وجود ثلاثين عائلة غزية من أصول مصرية تكشف كذبها وتناقضها مع حكاية نصف الفلسطينيين من أصول مصرية.

ولكنَّ مقالات «إسرائيلية» من هذا النوع، وهي كثيرة كما يبدو، ولها قراؤها ممن يؤرقهم أصلهم العرقي المثير للجدل، ومبررات وجودهم على أرض شعب آخر بالقوة والعنف، تكشف لنا عن مستوى ضحالة الإعلام «الإسرائيلي» وتأزّمه حين يناقش أموراً علمية تتعلق بالتاريخ أو أنثروبولوجيا أو المورثات «الجينات»، والتي تحظر إسرائيل دراستها كما يخبرنا عالم المورثات الروسي أناتولي كليوسوف.

وبالمناسبة، فالعلم الأخير وهو من العلوم التجريبية التي لا تقبل الخطأ إلا نسبة تكاد لا تذكر، أثبت، وعلى أيدي باحثين أجانب من بينهم باحث «إسرائيلي» مشهور هو إران حايك، أن اليهود الأشكناز، والذين يشكلون قرابة 90% من يهود العالم اليوم لا ينتمون إلى الجينات ذاتها التي كان يحملها بنو إسرائيل واليهود العبرانيون في العصور القديمة. فيما عالم جينات روسي آخر هو البروفسور أناتولي كليوسوف أكّد خلال برنامج تلفزيوني (برنامج «رحلة في الذاكرة» بثته قناة «روسيا اليوم» بتاريخ 5 أيلول/ سبتمبر 2018)، أن الجين الذي يسميه بعض الباحثين الصهاينة «الجين الكوهيني» ويعتبرونه جيناً خاصاً باليهود، لا علاقة مباشرة له باليهود؛ بل هو جين عربي وجد عند العرب قبل اليهود بأربعين ألف سنة. وكنا قد توقفنا عند هذا الموضوع في دراسة بجزءين نشرت في «الأخبار» (عدد 4 تشرين الأول 2018).

بالعودة إلى هوية الأقوام القديمة في فلسطين الوسطى، سجل باحثون مرموقون كُثر ما مفاده أن العلاقة بين أحد هؤلاء الأقوام على اختلاف تسمياتهم: العابيرو والخابيرو والساشو، بنو إسرائيل، اليهود، الذين لا يزال الغموض يلف اسمهم وهويتهم وموطنهم الأصلي وبين هذه المدينة لا تتعدى علاقة مهاجرين متسللين أو غزاة في إقليمٍ شكَّلَ الغزو والهجرات ثيمتين رئيستين في كل تاريخه القديم. وقد سيطرت قبائل العابيرو على المدينة سكانياً وبشكل سلمي لقرنين أو ثلاثة في العصر الحديدي وليس في هذا العصر البرونزي، وسنتوقف عند هذه الحيثية لاحقاً بشيء من التفصيل. ثم ما لبثت المدينة وبلاد فلسطين كلها أن أصبحت متقلبة التبعية وبؤرة صراع إقليمي شرس بسبب موقعها الجغراسياسي، وكونها سُرَّةً تتلاقى فيها عوالم أفريقيا وآسيا وأوروبا، وعتلة العالم القديم المتنازَع عليها بين القوى الدولية الكبرى آنذاك كمصر الفرعونية وممالك وإمبراطوريات بلاد الرافدين وبلاد فارس والمقدونيين؛ فالرومان وصولاً الى الفتح العربي في القرن السابع الميلادي «سنة 637 م».

لقد كان الفتح العربي الإسلامي الأخير بمثابة إنهاء وتبديد لحالة الصراعات القديمة وإعادة تأسيس عميقة لهوية فلسطين الجزيرية السامية الأم، ولكن بنسختها العربية الطالعة في المشرق العربي، والمندمجة مع بقايا الفلسطينيين الجزيريين الساميين فيها من كنعانيين وغيرهم. أي أن الفتح العربي في القرن السابع الميلادي كان التجلي الجزيري «الجديد والأحدث» للمظاهر الأنثروبولوجية والإثنية الجزيرية الأقدم منه، والتي سبقته كالتجلي الأموري واليبوسي والكنعاني المندمج بشعوب الفلسطة والتكر البحرية، وهو التأكيد الأنثروبولوجي العملي والتاريخي لهوية فلسطين الجزيرية السامية الكنعانية لآلاف السنوات؛ ومن ثمَّ شقيقتها الهوية العربية الوارثة والجامعة للهوية الجزيرية الكنعانية منذ أكثر من ألف وأربعمئة سنة.

ومع تصاعد الترويج الصهيوني في أوروبا الغربية للرواية والرؤية التوراتيتين، والذي بدأ به الصهاينة البروتستانت قبل الصهاينة اليهود خلال القرنين الماضيين وقبلهما بكثير، وهذا ما يرصده ويوثقه الكاتب اليهودي المنصف إيلان بابيه في كتابه «عشر خرافات حول إسرائيل»، بدأت فؤوس علم الآثار «الأركيولوجيا» عملها الفعال والمنهجي العلمي في القرنين الماضيين، ومع ضربات تلك الفؤوس انهارت أجزاء كبيرة من صخور وجلاميد أسس الرواية التوراتية وتحولت الى رماد، وخصوصاً أجزاءها المتعلقة بالعصر البرونزي وحتى بدايات العصر الحديدي؛ وسنلقي نظرة فاحصة وتحليلية على حيثيات الموضوع في مناسبة قريبة مقبلة.

*كاتب عراقي

**هذه المقالة جزء من دراسة طويلة حول أورشليم القدس في العصر البرونزي ستصدر لاحقاً في كتاب «نقد الجغرافيا التوراتية ودراسات أخرى».

 

Lubya museum-on-Line – متحف قرية لوبيه Films, articles, books on demolished Lubya village in 1948, in galilee.Palestine